من الممكن أن نضع إنسانًا بصحراء، والله عز وجل يتجلى عليه برحمته، فهو من أسعد الناس، وأن نضع إنسانًا في أفخر بيت، ونطعمه أطيب الطعام، ومع ذلك يقول لك: كاد قلبي يُعصر، ضاقت نفسي، هذا معنى قول الله عز وجل.
{حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ}
(سورة التوبة 118)
هؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد، وقاطعهم النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أصحابه الكرام:
{حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}
وقد تقف أمام الموت فتقول: مرحبًا بلقاء الله عز وجل، واكربتاه يا أبت، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غدًا نلقى الأحبة، محمدًا وصحبه.
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام افتقد أحد أصحابه بعد معركة أحد، فسأل عنه، فكلف رجلًا أن يبحث عنه، ذهب إلى ساحة المعركة، فإذا هذا الصحابي الجليل على وشك الموت، في النزع الأخير، فقال له الرجل الذي جاء يبحث عنه: أميت أنت أم حي؟ قال: بل أنا مع الأموات، أَمَا واسمع أيها الأخ ما قال هذا الصحابي وهو في النزع الأخير، قال: أبلغ رسول الله مني السلام، وأبلغ أصحابه مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبيًا عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم عند الله، إذا خُلِصَ إلى نبييكم وفيكم عين تطرف.
أنا أتصور أن هذا الصحابي كان في قمة سعادته، وهو في النزع الأخير، واسأل أطباء القلب عن حالات الوفاة التي يشاهدونها كل يوم، لطم للوجوه، وصراخ بالويل، و بكاء وسلوك أطفال، من شدة الخوف من الموت، ما هذه الرحمة؟ تواجه بها الموت، فإذا هو كأطيب ما يكون، وتواجه من دون هذه الرحمة لذّات الحياة فإذا هي شقاء في شقاء:
{مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ}