إن الله يعطي القوة مع رحمته، فإذا هذه القوة أداة إصلاح، ومصدر أمن، ووسيلة لادخار العمل الصالح في الآخرة، ويمسك الله رحمته مع هذه القوة والجاه، فإذا هذا الجاه يصبح أداة للطغيان، والعدوان والاستكبار، ولعذاب النار يوم القيامة أشد.
لعل في هذه الأمثلة ما يكفي، رحمة الله شيء عجيب، إذا سرت في أي شيء جعلته جنة، وإذا غابت عن أي شيء مهما كان عظيمًا جعلته جحيمًا، لذلك لما قال ربنا عز وجل:
{وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}
(سورة الزخرف: 32)
النبي عليه الصلاة والسلام ماذا آتاه الله؟ آتاه رحمة من عنده، أبيت عند ربي يطعمني، ويسقيني، لي ساعة مع ربي لا يسعني فيها نبي مرسل ولا ملك مقرب.
فلو شاهدت عيناك من حسننا ... الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا ... خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة ... عذرت الذي أضحى قتيلًا بحبنا
ولو نسمَتْ من قربنا لك نسمة ... لمِتَّ غريبًا واشتياقًا لقربنا
هذه رحمة الله، الشيء الذي لا يصدق أنها قريبة من كل محسن، وفي متناول أيديكم جميعًا، يكفيكم توبة نصوح، وعمل صالح لوجه الله، فإذا أنت تتعرض لهذه الرحمة، يكفيك أن تخلص لله عز وجل، أن تعقد صلحًا معه، أن تتوب توبةً نصوحًا، أن تلتفت إليه، أن تؤدي صلواتك بخشوع، يكفيك ذلك، فإذا قلبك غني، وإذا قلبك مطمئن، وإذا أنت تستمتع بأكلة خشنة، أضعاف ما يستمتع به أصحاب الأموال الطائلة في أفخر الولائم، تستمتع بهذا البيت وأولادك وأهلك أضعاف ما يستمتع به أولو الحول والطول، الذين اختاروا أجمل الزوجات، وعندهم أنجب الأولاد.
هذه رحمة الله يجب أن نبحث عنها، واقرأ قول الله تعالى فإنك واجدها:
{كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
(سورة الذاريات: 17 ـ 18)
أيها الإخوة الأكارم:
{مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ}