يا ترى هل كان الإنسان بحملها ظلومًا جهولًا؟ أم كان محسنًا وعالمًا وصالحًا، أن تعرف الله وأن يصلح عملك، فعكس المعرفة الجهل، وعكس الإحسان الظلم، فهو إن لم يأخذ بما عاهد الله عليه، إن لم يأخذ هذه الأمانة فيطهِّرها، ويزكيها، ويسمو بها، فقد كان ظلومًا جهولًا، فلو فرضنا أن أبًا حوله خمسة أولاد قال لهم: يا أولادي أتحبون أن تعملوا في محلي أو في دكاني ولكم كل شهر مبلغ تعيشون به، أم تحبون أن تتابعوا دراستكم العُليا إلى أعلى شهادة، وعندئذٍ أمنحكم كل شيء، أمنحكم مبلغًا بلا حدود؟ فهؤلاء الأبناء مالوا إلى الراحة، قالوا: لا، نحن نعمل في الدكان ونستريح، أحد هؤلاء الأولاد قال: لا، أنا لها، أنا أقبل هذا العرض وسأحصل على أعلى شهادة في العالم، الأولاد اشتروا بيوتًا وتزوجوا وعاشوا حياةً معتدلة، لهم دخلهم من هذا الدكان، لكن هذا الذي قَبِلَ أن يكون في أعلى درجة علمية في العالم، وتبرع أبوه له بمبلغٍ لا حدود له من أجل أن يعود ويحمل أعلى الشهادات، هذا الشاب إن ذهب إلى هناك وغرق في الملذَّات والنوادي والملاهي، وصاحب فتاةً، ونسي هذه المهمة الكبيرة التي أنيطت به، سيعود بعد حين بلا شهادة، وبلا مكانة، وبلا بيت، وبلا دخل، هؤلاء الذين خافوا من هذه المهمة أفضل منه، أما إذا عاد بهذه الشهادة العليا ورُفِعَ مقامه في البلد وفي المجتمع سبق هؤلاء، فيا ترى حينما قبل هذا العرض المغري أكان ظلومًا جهولًا؟ لا، كان طموحًا، أما إذا خان الأمانة ودَنَّسَ نفسه كان ظلومًا جهولًا، فلا يوجد حل وسط، كما يقول سيدنا علي:
"رُكِبَّ الإنسان من عقلٍ وشهوة، رُكِّبَ الحيوان من شهوةٍ بلا عقل ـ الحيوان متعته مادية ولا حساب عليه ـ ورُكِّبَ المَلَك من عقلٍ بلا شهوة ـ متعته روحية ولا حساب عليه ـ ورُكِّبَ الإنسان من كليهما من شهوةٍ وعقلٍ، فإن غلب عقله شهوته كان فوق الملائكة وإن غلبت شهوته عقله كان دون الحيوان".