لكن هذا العرض عرض له مكاسب كبيرة جدًا، وفي المقابل فيه مخاطر كبيرة، مكاسب ومخاطر، فكيف نحن عندما نعطي الطيار راتبًا ضخمًا جدًا مائة ضعف عن راتب سائق السيارة العادية، مائتي ضعف، هذا الراتب الضخم، لأنه لو صار خطأ بالجو، لا يوجد حل وسط، سيفقد حياته وحياة الركاب، أما سائق السيارة في الأرض، لو صار هناك خطأ يجعلها على يمين الطريق، ويذهب إلى صاحبها، ويقول له: تعال وأصلح مركبتك، فكلما عظمت المسؤولية، كلما علا قدر الإنسان عظمت مسؤوليته، فربنا عزَّ وجل عرض على المخلوقات عرضًا خاصًا، أي أن يسعدوا سعادة لا نهائية، سعادةً بلا حدود، سعادةً يصعب على العقل تصورها، فهذه المخلوقات السماوات، الأرض، الجبال، المجرَّات:
{فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا (72) }
أبين، وأشفقن، أشفقن منها أي خِفنَْ منها.
{وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (72) }
ما هي الأمانة؟ هذا المخلوق جُعِلَت نفسه أمانةً بين يديه، فإذا استطاع أن يعَرِّفها بربها، وأن يحملها على طاعته، وأن يجعلها تتقرب إليه تعالى، سعد هذا المخلوق وإلى الأبد، وإذا نسي هذا المخلوق ربه، وانغمس في شهواته، ونسي الأمانة التي حُمِّلْهَا، ونسي التكليف الذي كلف به شقي إلى الأبد، هذه هي الأمانة، الأمانة أن تكون نفسك بيدك، موضوعةً أمانة عندك.
يقول الله عزَّ وجل في بعض الآيات:
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) }
(سورة الشمس (
بإمكانك أن تزكي نفسك، بإمكانك أن تحملها على طاعة الله، بإمكانك أن تجعلها مستقيمةً، بإمكانك أن تطهرها، بإمكانك أن تزكِّيها، بإمكانك أن تسمو بها، وحينما تلتفت إلى الدنيا، وتنغمس في حمأتها، وتلهث وراء شهواتها، تدنِّسها، وإذا دنستها استحققت العذاب الأبدي، هذه هي الأمانة، الأمانة أن تكون نفسك بين يديك، أنت مكلفٌ أن تطهرها وأن تسمو بها.