لو قلت: إن هذا الشيء الذي خلقه الله عزَّ وجل خَلْقًَا رائعًا، إذا نظرت إليه سَبَّحْتَ بحمده، نقول لك: لا، لست أنت المُسَبِّح بل هو المُسَبِّح، هو المسبح بطريقةٍ لا تعرفها أنت.
الأمانة لها تفسيراتٌ كثيرة:
حينما يقول الله عزَّ وجل:
{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ}
(سورة الإسراء: من آية"44")
هذه ما من شيءٍ لاستغراق أفراد النوع، ما من شيءٍ في الكون إلا وهو يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، يفهم أن السماوات والأرض والجبال نفوس، وهذه النفوس مخلوقات عرضت عليها الأمانة.
الآن ما الأمانة؟ هذه الأمانة لها تفسيراتٌ كثيرة، أوجه هذه التفسيرات: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم، خلقهم ليسعدهم، والإنسان يسعد بعطاء خالق الكون، لكن عطاء خالق الكون متفاوت، فلو أن الإنسان تأهَّلَ لأخذ أكبر كميةٍ من هذا العطاء ينال عطاءً لا نهائيًا، فإذا لم يتأهَّل، فمثلًا يوجد متعة بالعلم ـ وهذا شيء بسيط بين أيديكم ـ لا يستطيع الإنسان أن يذوقها إلا إذا تعلم، أما ككائن بإمكانه أن يذوق الطعام ويستمتع به، شأنه شأن أي مخلوق حتى الحيوان، أن تأكل وأن تستمتع هذا قاسمٌ مشتركٌ بين كل المخلوقات، لكن أن تنعُم بنعمة العِلم هذا شيءٌ لا يمكن أن تُعْطَاه، لا بدَّ من أن تأخذه أنت، لا بدَّ من أن تتعلم حتى تذوق طعم العلم، أنا أضرب الأمثلة لأن الموضوع دقيق جدًا، فالله عزَّ وجل خلق الخلق، وخلقهم ليسعدهم، ولكنهم إذا أَهَّلوا أنفسهم يسعدوا سعادةً لا نهائية، فصار هناك عرضٌ على المخلوقات أن يسعدوا سعادةً بلا حدود.
قال تعالى:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا (72) }