فهرس الكتاب

الصفحة 14589 من 22028

الحقيقة، القرآن الكريم له منطوق وله مفهوم، له خاص وله عام، فمن سعادة المَرْء أن يفهم بعض الآيات لا على أنها خاصَّةٌ لمن كان مع النبي عليه الصلاة والسلام وانتهى الأمر، وكأنَّها قصَّةٌ تاريخيَّةٌ وقعت ومضت وأصبحت ذكرًا، لا، الموفَّق من يفهم كلام الله بشكلٍ موسَّع، أي بطريقةٍ يُحِسُّ أنها موجَّهةٌ إليه أولًا:

{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ (60) }

قال بعض المفسِّرين: الذوات واحدة والصفات مختلفة، فإنسان واحد منافق، وفي قلبه مرض، ويروِّج الأخبار السيئة، وقال بعضهم: هؤلاء أصنافٌ ثلاثة، سواءٌ أكانت الذوات متَّحدة أم متباينة، فالذي يعنينا أن في هذه الآية نفاقًا، وفي هذه الآية قَلْبٌ مريض، وفي هذه الآية إنسان يروِّج الأخبار السيئة في المجتمع الإسلامي، فالمنافق هو الذي يُظْهِرُ ما لا يبطن، يدَّعي أنه صالح وهو طالح، يدَّعي أنه مؤمن وهو كافر، يدَّعي أنه ورع وهو مُتساهل، يُظهر أمام الناس عبادةً، وضمر فيما بينه وبين نفسه معصيةً.

هذا الموقف الازدواجي؛ شيء معلن وشيء مبطَّن! شيء ظاهر وشيء باطن! شيء يقال وشيء لا يقال، مع المؤمنين تراه مؤمنًا، مع الكفَّار تراه كافرًا! هذه الشخصية الازدواجيَّة التي في بنيتها رياء، الرياء في العمل والنفاق في القول، هذه الشخصيَّة ربَّما أسدل الله سبحانه وتعالى ستره عليها. فالإنسان إذا ستره الله عزَّ وجل ينبغي أن يعدَّ هذا الستر الذي أسبغه الله عليه فرصةً للتوبة، فعندما يستر ربنا عزَّ وجل عبدًا، كأن الله عزَّ وجل يعطيه فرصة، أن يا عبدي إلى متى أنت في اللذات مشغولُ؟ إلى متى أنت كذلك؟ أما تستحي مني؟ سلامة الإنسان ـ مع النفاق ـ هي فرصةٌ من الله عزَّ وجل لهذا الإنسان لعلَّه يعود، لعلَّه يتوب، لعلَّه يرجع، لعلَّه يتألَّم، لعلَّه يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت