فهرس الكتاب

الصفحة 14465 من 22028

قالت: وفي أثناء مرضي عادتني سيدةٌ فاضلة، وقالت لي مجاملة: إنكِ لا تستحقين كل هذا العذاب، أنت السيدة المؤمنة المُصَلِّيَة الحاجة لبيت الله الحرام، فماذا اقترفتِ من آثام حتى تُعاقبي بهذه الآلام؟!

قالت: فصرخت قائلةً: لا تقولي ذلك، فإن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، إنني آثمة أستحق كل هذا العذاب، هذا الفم الذي أدَّبه الله بالمرض والألم كان يُصْبَغ، وكان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، وهذا الوجه الوارم كان يتجمَّلُ بالمساحيق، وهذا الجسم الطريح كان يتبرَّج بالثوب الأنيق، وهذه الهامة المتألمة المتأججة بنار الحمى كانت لا تحجب بالنقاب كما أمر الله، وهي الآن تحجب قهرًا باللفائف الطبية، لم اختمر بخمار الاحتشام فخمرَني الله بخمار الآلام، جَمَّلْتُ فمي ووجهي بالأصباغ والأدهان، فصفعهما الله صفعة العذاب والهوان.

هي أديبة أيضًا كما يبدو.

قالت: إنكِ لم تفعلي إلا ما يفعله غيركِ؛ بل وأقل مما يفعله غيركِ، فكل النساء يتبرجن، ويتجملن أكثر منكِ، وهاهُن يرتعن في بحبوحة الصحة، ويرفُلْنَ في حُلَلِ السعادة!

فقلت: هذا من فضل ربي عليّ، وحبه لي، ورحمته بي، فإذا أحب الله عبدًا ابتلاه، وطهَّره بعذابه وربَّاه، ثم إذا أراد ساق له العافية ونَجَّاه، ففاز بجزاء الصبر، وحظي بفضيلة الشكر، وسعد بالتوبة والطهر، فشكرًا لله على هذا الدرس النافع، وهذا الألم الشافي الناجع، وهذا العقاب المؤدِّب الرادع، وهذا المرض المُهَذِّب اللاذع، إن الله سبحانه وتعالى يأمرني بعمله، بفعله بهذا المرض، بعد أن أمرني بكتابه، إن لم أستجب لكتابه استجبتُ لفعله، فكيف لا أشكره على هذه العناية؟ وكيف لا أطيع من يرعاني هذه الرعاية؟ وهكذا شُفيت من مرضي ضعيفة الجسم قوية الإرادة، ضعيفة الهوى قوية الصبر، وفهمت

ما قاله الله لي بهذا المرض، وما سكبه بقلبي بلا ألفاظ، وما صوره لعيني فرآه عقلي جليًا وضاحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت