الكفر ـ كما تعلمون ـ فيه جانب فكري، وجانب نفسي، وجانب سلوكي، الجانب الفكري التكذيب بما جاء به الأنبياء والمرسلون، الجانب النفسي الإعراض عن الله عزَّ وجل، الجانب السلوكي التفلُّت من منهج الله، الانسياق وراء الشهوات، فالكفر من جهة تكذيب، من جهة إعراض، من جهة انحراف، فيمكن أن نقول: إن البشر صنفان موصول منضبط محسن؛ مقطوع متفلِّت مُسيء، فلا بدَّ أن يكون المرء أحد رجلين مؤمن بخالق الكون، مؤمن بمنهجه، إذًا منضبط بهذا المنهج، يتقرَّب إلى الله بالأعمال الصالحة، إذًا يُقْبِلُ على الله، لأن الطريق مع الله سالكة، كذَّب بهذا القرآن، أو بما جاء به الأنبياء، أو بالحق، فلمَّا كذَّب ليس هناك منهج، إذا آمنت بالله يجب أن تؤمن مع الإيمان بالله بمنهجه، بشرعه، بكتابه، فالذي كفر بالله من باب أولى هو كفر بمنهجه، إذًا متفلِّت، له حركة واسعة جدًا.
مثلًا طالب في أول حياته منضبط، وقته مُنَظَّم، دوامه في المدرسة منظَّم، دراسته منظَّمة، هذا الطالب مع مرور الأيام يزداد رُقِيًا في بنائه النفسي، وبنائه العقلي، وبنائه الشعوري إلى أن يصبح ذا مكانةٍ مرموقةٍ في المجتمع؛ الطالب الآخر الذي كان متفلِّتًا من أي هدف، من أي نظام، كان يفعل ما يشاء، ينتقل من مكان إلى مكان، من بُستان إلى بستان، من رفيق إلى رفيق، من نُزهة إلى نزهة، فيما يبدو هذا متفلِّت، هذا حر، الأول مُقَيَّد بدوام المدرسة، بوظائفه، بواجباته، بتعليمات والده، هذه القيود رفعته إلى أن أصبح في ذروة المجتمع، بينما هذا التفلُّت جعله في أسفل سافلين.
الهدى في خدمتك أما الضلال فهو سجن لك:
النقطة الدقيقة جدًا: أنه يبدو لك أن الضال لا قيد يقيِّدُهُ لأنه يفعل ما يشاء، يأكل ما يشاء، يذهب إلى أي مكان يشاء، يلتقي مع من يشاء، ينتهك حُرُمَات من يشاء يتمتع بالحريَّة؛ ولكن هذه الحرية في ظاهرها حرية وفي حقيقتها قيد:
{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) }