لنا أن نوسِّع الموضوع؛ الهرَّة إذا أطعمتها قطعة لحمٍ تأكلها أمامك، هي مطمئنة أنها لا تفعل شيئًا مخالفًا للفطرة، فإذا خطفتها فإنها تأكلها بعيدةً عنك، إذًا هي تشعر، فالذي يريد أن ترتاح نفسه عليه أن يحقِّق السلام معها، الإنسان أحيانًا ضميره يعذِّبه، ينهار من داخله، الإنسان أحيانًا يختلُّ توازنه، الإنسان أحيانًا يحتقرُ نفسه، الإنسان أحيانًا يشعر بشقاءٍ ما بعده شقاء، لماذا؟ إذا خالف فطرته، أو إذا خالف أمر ربّه، أبدًا، هذه حقيقة مسلَّمٌ بها، أنت إذا اتبعت أمره وابتعدت عن نهيه تشعر بسلام مع نفسك، لأن أمر الله ونهيه متطابقان تطابقًا تامًا مع فطرتك، هذا الذي قاله الله عزَّ وجل:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) }
إن فعلت هذا فقد حقَّقت فطرة الله:
{الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) }
إن فعلت هذا فقد لزمت فطرة الله التي فطر الناس عليها، فهذه المركبة صُمِّمَت لتسير على طريقٍ مُعَبَّد، فإذا سرت بها على طريقٍ وعرة كأنها تناديك وتقول لك: اجعلني على طريقٍ مُعَبَّدة، تصميم هذه المركبة لطريقٍ معبَّدة، فإذا خالفت ما صمِّمت له وسرت بها في طريقٍ وعرٍ كله حفر وأكمات تشعر أنها لم تُخْلَق لهذا الطريق، فأنت خالفت تعليمات الصانع، هذه الكلمة هي مركز الثقل في الآية:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) }
أي يا عبادي أنا خلقتكم وفق بُنْيَةٍ مُعَيَّنة، وهذا الدين الذي أنزلته على محمدٍ عليه الصلاة والسلام متطابق تطابقًا تامًا مع بُنْيَتِكُم، فإن ائتمرتم بأمر الله وانتهيتم عما نهى عنه الله عزَّ وجل فقد لزمتم فطرتكم، وحقَّقتم هذه الفطرة، فسعدتم في الدنيا والآخرة:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) }
الفطرة أن تحبَّ الكمال أما الصبغة أن تكون كاملًا فالفطرة شيء والصبغة شيء آخر: