{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) }
هذه الآية تؤكِّد تطابق الدين تطابقًا تامًَّا مع الفطرة، ما يأمُرك به الدين هو ما تحتاجه فطرتك، لو فرضنا أعطينا أمرًا بشرب الماء أنت ظمآن، فحينما تعطش، تظمأ تشعر أن كل خلية في جسمك تقول لك: أنا بحاجةٍ إلى الماء، حينما يظمأُ الإنسان يشعر أن كيانه كله مهزوز، وأنه في أمسِّ الحاجة إلى شربةِ ماء، فإذا جاءت التعليمات من جهةٍ ما: عليك أيها الإنسان أن تشرب وأنت في أمسِّ الحاجة إلى الشرب، نقول: هناك تطابقٌ دقيقٌ بين هذه التعليمات وبين حاجة الجسم، هذا مَثَل.
أي أمر إلهي الفطرة في أمسِّ الحاجة إليه، وأي نهيٍ إلهي الفطرة في بُنْيَتِها أبعدُ شيءٍ عنه، فالإنسان إذا كان بارًا بوالدته أو بوالديه يشعر بطمأنينة، يرتاح، إذا أدَّى ما عليه من واجبات، كانا في حالة مرضٍ فعالجهما، ينام مرتاح الضمير، هذه فطرته، الله عزَّ وجل حينما أمرك ببرِّ الوالدين نفسُك لا ترتاح إلا إذا كنت بارًا بوالديك، فإذا كنت عاقًا لهما تشعر بالضَجَر، والتمزُّق، واختلال التوازن، إذًا أمر الله لك ببرِّ والديك يقابله حاجة فطرتك إلى برِّ الوالدين.
حينما يأمرك الله بالعدل وأنت تعدل في قسمتك، في معاملتك لأولادك، في معاملتك لموظَّفيك، في معاملتك لإخوانك، في معاملتك لجيرانك، فطرتك، بنيتك النفسيَّة ترتاح لهذا العدل وتأبى الظلم، إذًا إذا فعلت شيئًا أمرك الله به تشعر أن هذا العمل يريحك، يجعلك في سلام مع نفسك، يرتاح ضميرك، يرتاح خاطرك، ترتاح أعصابك، تطمئن نفسك، تشعر بثقة، تشعر بتفوُّق، إذًا ما هذا التطابق الدقيق بين الفطرة وبين أحكام الدين؟
أمر الله ونهيه متطابقان تطابقًا تامًا مع الفطرة: