هذا الموظَّف الصغير لم تخلقه أنت، ومع ذلك لا ترضى أن يسألك، ولا ترضى أن يشاطرك الأرباح، أنت لم تخلقه، فكيف بالله العظيم الذي خلق هذا المخلوق، هو خلقه، هو أوجده، وهذا المخلوق يدَّعي أنه شريكٌ لله عزَّ وجل، يدَّعي أنه يفعل، ويتصرف، وينفع، ويضر، والأمر بيده، إذًا كما أنك كإنسان لا ترضى لموظَّفٍ صغيرٍ عندك في محلك الكبير أن يسائلك ويتدخل في أمورك وتجارتك، فكيف ترضى أن يكون مخلوقٌ لله عزَّ وجل يدَّعي أنه شريكٌ لله؛ في تصرفاته، وفي نفعه، وفي ضرِّه، وفي فعله، وفي تركه؟
إذًا:
{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ (29) }
أيها الأخوة الأكارم يجب أن تُصَنِّفَ نفسك أحد شخصين ولا ثالث لهما، إما أن تنطلق في تصرُّفاتك، في مواقفك، في علاقاتك، في كل شيءٍ تفعله من هوىً أو من علم، إما أن تنطلق من هوى نفسك، أو من العلم بالله عزَّ وجل، فالمؤمن يسير وفق الشرع، يسير وفق ما يمليه عليه منهج الله عزَّ وجل، أما غير المؤمن يسير وفق الهوى، وفق نزواته، وفق شهواته، وفق ميوله الرَخيصة، إذًا:
{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ (29) }
ظلموا مطلقة؛ ظلموا أنفسهم، وظلموا أهلهم، وظلموا مصيرهم ما عرَّفوها بربها، وظلموا إخوانهم، وظلموا من حولهم.
قال تعالى:
{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) }