فلا يُعقل أن يدعوك الله سبحانه وتعالى وأنت في بلدك، يدعوك لترك أهلك، وعملك، ودكَّانك، ووظيفتك، وأولادك، وتأتي إليه، ولا تجد شيئًا هذا مستحيل، مستحيل في حق الله عزَّ وجل، مستحيل في حقِّ الضيافة أن تأتيه من مكانٍ بعيد ولا يكرمك، لذلك:
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}
وعلامة الحاج الصادق أنه يتمنَّى أن يحج كل عام، علامة الحاج الذي أقبل على الله وتجلى الله على قلبه، أنه يتمنى أن تكون أيامه كلها حجًا، فلذلك يقول الله سبحانه وتعالى:
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}
والمفسرون قالوا في تفسير هذه الآية:"منافع روحية، ومنافع دنيوية"، فإضافةً إلى أن الحج عبادة راقية، والإنسان في الحج يقبل على الله عزَّ وجل، ويعاهده على الطاعة، يتوب إليه، ويتعرف إليه، ويتشرف قلبه بالإقبال عليه، إضافةً إلى كل هذا فإن في الحج منافع، ربما يلتقي المسلمون من شتىَّ أقطارهم، ربما يتعرَّف بعضهم على بعض، ربما يبحثون قضيةً عامة، ربما يتشجَّع الإنسان ليكون مثل هؤلاء، ربما يكون التنافُس بينهم، هناك منافع روحية، ومنافع دنيوية تكون في الحج.
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}
(سورة البقرة: من آية"197")
فالحاج يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المعلومات، كلما صعد شَرَفًا أو هبط واديًا، أو استيقظ، أو نام، أو التقى بركبان، يقول:"لبيك اللهم لبيك، لبيك استجابةً لدعوة الله سبحانه وتعالى:"
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}
فإذا رمى جمرة العقبة قطع التلبية وقال:"الله أكبر والله أكبر"، بدأ يكبِّر ويهلل ويسبح، الحج كله ذكر، الحج كله دعاء، الحج كله صلاة، الحج كله إقبال، الحج كله اتصال، الحج مناسبةٌ كي يتصل هذا العبد بخالقه اتصالًا محكمًا مكثفًا مجديًا صحيحًا.