هذا الذي يحفظ كتاب الله لو تعلم كم هو سعيد بحفظ كتاب الله، كم هو موفق، كم هو يحقق الهدف من وجوده على وجه الأرض إذا حفظ كتاب الله وعمل به، إلا أن الذي لا يعمل بكتاب الله ينطبق عليه الأثر:"رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه".
معنى صرف قلّب، أمر ونهي، ووعد ووعيد، وقصة ومثل، وحكمة وخبر صادق، ووعد لاحق، وصورة من عالم الأزل .. تنويع دقيق جدًا، تنويع في السورة الواحدة، لو جمعت القصص في فصل، والآيات الكونية في فصل لما وجدت في نفسك رغبة في قراءتها! لكن ترتيب القرآن ترتيب نفسي، لا ترتيب موضوعي، بعضهم يقترح أن يصنف كتاب الله تصنيفًا موضوعيًا، لو صنف القرآن تصنيفًا موضوعيًا لذهبت قوة تأثيره! تقرأ السورة تأتي آية الوعيد تخاف، تأتي آية الوعد تتفاءل، تأتي الآية الكونية تستعظم الله عز وجل، تأتي قصة لقوم أهلكهم الله تعتبِر، يأتي مشهد من مشاهد يوم القيامة تتفاءل، فهذه السورة تأخذ بيدك من الخوف إلى الرجاء إلى الثقة إلى التعظيم إلى التفاؤل، هذه الأحوال النفسية تتلو وترتقي من آية إلى آية.
قال بعض العلماء: إن هذه الآية دليل قطعي على أن الإنسان مخيّر، يعني أبوا، كان بإمكانهم أن يستجيبوا فأبوا، إذًا هم مخيرون بين أن يستجيبوا وبين أن يأبوا، قل لي بربك: لو كنت صاحب محل تجاري، وعندك موظف، وقلت لهذا الموظف: تعال غدًا باكرًا، أمرته أن يأتي باكرًا، أليس في إمكانه أن يأتي متأخرًا؟ لو لم يكن في إمكانه أن يأتي متأخرًا لما أمرته أن يأتي باكرًا، هو مخيّر، إذًا يقتضي الأمر أن المأمور مخيّر، ويقتضي النهي أن المنهي مخيّر، لو نهيته عن أن يخرج قبل أن يعلمك أليس في إمكانه أن يخرج قبل أن يعلمك؟ طبعًا بإمكانه، فربنا قال:
هم أبوا، كان بالإمكان أن يؤمنوا فأبوا.
(سورة فصلت)
(سورة البقرة)