فَصْلٌ ( نُهِيَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ ) وَهُوَ بَيْعُ الثِّمَارِ فِي أَشْجَارِهَا بِمَكِيلٍ مِنْ نَوْعِهَا بِتَأْخِيرٍ ( كَبَيْعِ تَمْرٍ عَلَى نَخْلٍ بِمَكِيلٍ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ نَوْعِ الثِّمَارِ مُطْلَقًا ( مُؤَجَّلٍ ) أَيْ مُؤَخَّرٍ ( وَ ) بَيْعِ عِنَبٍ عَلَى شَجَرَتِهِ بِمَكِيلٍ مِنْ عِنَبٍ أَوْ مِنْ ( زَبِيبٍ كَذَلِكَ ) أَيْ مُؤَجَّلٍ ، وَالْوَزْنُ كَالْكَيْلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْكَيْلِ مَا يَشْمَلُ الْوَزْنَ ، وَكَبَيْعِ تِينٍ عَلَى شَجَرَتِهِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ مِنْ تِينٍ طَرِيٍّ أَوْ يَابِسٍ ، وَسُمِّيَ الْمُزَابَنَةَ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّهِ أَوْ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا وَقَفَ عَلَى غَبْنٍ أَرَادَ دَفْعَ الْبَيْعِ بِفَسْخِهِ وَأَرَادَ الْآخَرُ دَفْعَهُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ بِإِمْضَاءٍ ، مُفَاعَلَةٌ مِنْ الزَّبْنِ وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ ، يُقَالُ: نَاقَةٌ زَبُونٌ أَيْ تَمْتَنِعُ مِنْ حِلَابِهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ الزَّبَانِيَةُ تَدْفَعُ الْكَفَرَةَ ، وَسُمِّيَتْ الْحَرْبُ زَبُونًا لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا ، وَلَيْسَ التَّأْجِيلُ بِقَيْدٍ ، وَلَكِنَّهُ ذُكِرَ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ الْمُتَبَادِرَةِ الْغَالِبَةِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ لَهُ تَمْرٌ حَاضِرٌ لَا يَشْتَرِي آخَرَ بِتَمْرٍ حَاضِرٍ ، وَإِسْقَاطُهُ أَوْلَى ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ ؛ إذْ قَالَ: { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ } ، فَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ هُوَ الْوَاضِحُ .
وَزَعَمَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بَيْعُ التَّمْرِ الْأَوَّلِ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمُثَنَّاةِ وَالسُّكُونِ وَالثَّانِي بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِهَا مَعَ الْمِيمِ ، وَأَنَّهَا الرَّطْبَةُ خَاصَّةٌ ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سِتَّةَ ، قَالَ: وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: بِالتَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، وَقِيلَ بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ بَيْعُ زَبِينٍ تَمْرًا