( وَنُدِبَ لِمَاشٍ إلَيْهِ ) : إلَى الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ أَوْ مِنْ الثَّلَاثَةِ ( تَقَارُبُ خُطَاهُ ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَقَارُبَهَا عَنْ مُعْتَادِهِ ، بَلْ الْمُرَادُ أَنْ لَا يُطِيلَهَا عَنْ مُعْتَادِهِ بِأَنْ يَقْصِدَ مَشْيَهُ الْمُعْتَادَ وَيَتْرُكَ مَا يَتَكَلَّفُهُ مِنْ إطَالَةِ مَا بَيْنَ الْخُطْوَتَيْنِ ، فَإِذَا تَرَكَ إطَالَتَهَا عَنْ مُعْتَادِهِ فَقَدْ قَارَبَهَا ، أَوْ الْمُرَادُ تَقْرِيبُهَا بِقَلِيلٍ عَنْ مُعْتَادِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَكَيْفَ يَقْصِدُ إطَالَتَهَا فَيَنْقُصُ الْأَجْرُ وَالتَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ أَفْضَلُ ، فَالْأَمْرُ بِتَقَارُبِ الْخُطَا كِنَايَةٌ عَنْ النَّهْيِ عَنْ تَكَلُّفِ إطَالَتِهَا عَنْ الْمُعْتَادِ فِي سَائِرِ مَشْيِهِ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَيُضَعِّفُهُ أَنَّهُ قَدْ تَحْصُلُ الشَّوْهَةُ فِي مَشْيِهِ بِتَقْرِيبِ الْخُطَا وَلَا سِيَّمَا إنْ بَالَغَ فِي الْمُقَارَبَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ إلْقَاءَ الْمِدَادِ فِي ثَوْبِهِ لِيَكُونَ لَهُ كَدَمِ الشُّهَدَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَرَوْنَ لَهُ كَذَلِكَ مَا حَصَلَ لَهُ بِلَا عَمْدٍ كَالْمُصِيبَةِ ، وَمَا اُضْطُرَّ إلَى مُلَاقَاتِهِ بِهِ وَلَوْ تَعَمَّدَ الْإِبْطَاءَ فِي مَرَاحِلِهِ إلَى الْحَجِّ أَوْ فِي مَنَازِلِهِ لِيُكْثِرَ مَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَعْظُمُ لَهُ الْأَجْرُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ تَعَمَّدَ الذَّهَابَ إلَيْهِ أَوْ إلَى نَحْوِهِ مِنْ أُمُورِ الْخَيْرِ مِنْ الطَّرِيقِ الصَّعْبِ أَوْ الْبَعِيدِ مَعَ إمْكَانِ السَّهْلِ الْقَرِيبِ وَتَيَسُّرِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ غَيْرِ تَكْثِيرِ الْأَجْرِ بِكَثْرَةِ الْخُطَا وَكَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ أَوْ لِقَائِهِ الشِّدَّةَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ ، بَلْ يَحْصُلُ مَا يَكُونُ لَهُ لَوْ ذَهَبَ كَمَا أَمْكَنَ وَتَيَسَّرَ بِلَا تَكَلُّفٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَأَمَّا فِعْلُهُ ذَلِكَ فَأُرَاهُ بِطَالَةً وَأَخَاف عَلَيْهِ الْإِثْمَ فِيمَا يُصِيبُهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ مَا قَدْ يَفُوتُ كَإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ