( وَالتَّكَبُّرُ عَلَى ذَوِي التَّجَبُّرِ ) أَيْ التَّرَفُّعُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ مَعَاصِيهمْ لَا إعْجَابًا بِنَفْسِهِ أَوْ تَعْظِيمًا لَهَا ( تَوَاضُعٌ ) لِلَّهِ تَعَالَى بِخِدْمَتِهِ لِأَنَّ تَرَفُّعَهُ عَنْهُمْ كَرَاهِيَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَرَدْعٌ عَنْهَا لِأَنَّهُ إذَا تَرَفَّعَ عَنْهُمْ لِأَجْلِهَا تَرَكُوهَا أَوْ تَرَكُوا بَعْضَهَا أَوْ أَخْفُوهَا ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ إهَانَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَسَعْيٌ فِي هَوَانِهَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّكَبُّرِ عَلَى ذَوِي التَّجَبُّرِ تَعْظِيمَ النَّفْسِ عَلَيْهِمْ وَتَسْفِيهَ حَقِّهِمْ وَذَلِكَ هُوَ أَنْ يَتَجَهَّمَ فِي وُجُوهِهِمْ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَعَاصِيهِمْ إنْ كَانَ التَّجَهُّمُ يُرْدِعُهُمْ ، وَأَنْ لَا يُخَالِطَهُمْ وَلَا يُضَاحِكَهُمْ ، فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا رَأَيْتُمْ الْمُتَوَاضِعِينَ فَتَوَاضَعُوا لَهُمْ ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ الْمُتَكَبِّرِينَ فَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ صِغَارٌ لَهُمْ وَمَذَلَّةٌ } ، وَرُوِيَ { مَنْ تَوَاضَعَ لِصَاحِبِ دُنْيَا ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ ، وَمَنْ وَقَّرَ ذَا بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ } ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { التَّوَاضُعُ لِلْمُتَوَاضِعَيْنِ تَوَاضُعٌ لِلَّهِ ، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِينَ تَوَاضُعٌ لِلَّهِ } ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّجَبُّرَ التَّسَلُّطُ عَلَى النَّاسِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِمْ بِمَا لَا يَرْضَوْنَ فَيَنَالُ مِنْهُمْ وَلَا يَنَالُونَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، وَخَصَّ الْجَبَابِرَةَ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِأَنْ يُتَرَفَّعَ عَنْهُمْ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْعُصَاةِ فَفِي حَالِ الْعِصْيَانِ الْأَمْرُ مَعَهُمْ كَذَلِكَ ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَبِحَسَبِ مَا يُصْلِحُ لَهُ حَالَهُمْ ، وَالْجَبَّارُ فِي صِفَةِ الْخَلْقِ أَوْ اللَّهُ تَعَالَى وَتَبَارَكَ وَجَلَّ وَعَلَا وَعَزَّ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ إذَا طَالَتْ بِقَدْرِ مَا لَا تَصِلُهَا الْأَيْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا تَنَالُهُ السَّلَاطِينُ وَلَا غَيْرُهُمْ وَلَا تُنَازِعُهُ مُعَارَضَةٌ فَلَهُ الْعِزَّةُ