فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 36

· وثالثها: ألا يكون الراوي مُتَّهَمًا بالكذب ونحوه، فإذا كان متهمًا بالكذب فاتفق الْمُحَدِّثُونَ على عدم جبر حديثه وكونه معتبرًا، وقد حكى الاتفاق في ذلك غير واحدٍ، ومنهم: الإمام الذهبي يرحمه الله - كما في» الموقظة «-، وكذا الحافظ ابن حجر - كما في» النكت الصلاحية «-، والسخاوي - كما في» فتح المغيث «- وجماعة.

· ورابعها: ألا يكون سيئ الحفظ فاحش الغلط، فإذا كثر غلطه وتزايدت غلطاته في مروياته في حديثٍ: فإنه يوصف عند الْمُحَدِّثِينَ بأنه فاحش الغلط سيئ الحفظ. وَمِنْ ثَمَّ لا يكون حديثه معتبَرًا عند جماعة من الْمُحَدِّثِينَ.

واختلف الْمُحَدِّثونَ في هذا الشرط، فذهب الحافظ ابن حجر يرحمه الله - كما في» النكت الصلاحية «- إلى أن سيئ الحفظ ممن ينجبر حديثه عند تعدد الطرق، وممن يؤخذ بحديثه اعتبارًا في الأحاديث الضعيفة.

وذهب جماعة من الْمُحَدِّثِينَ إلى اطِّراحه. ومن الأقوال المستحسنة في ذلك أنه إذا فَحُشَ غلطه وكثرت غلطاته في مروياته حتى لا يصبح المعوَّل عليه فإن حديثه يكون مطَّرحًا ولا يكون معتبَرًا.

إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله - كما في» مجموع الفتاوي «- ذكر أن سيئ الحفظ إذا جبره طريق آخر عليه المعوَّل: اشتدا. وهذا من اختياراته يرحمه الله في مصطلح الحديث والجرح والتعديل.

والأحاديث الحسان للغير كثيرة ومنها ما أخرجه الإمام الترمذي يرحمه الله في» جامعه «من حديث قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤمن يموت بعرَق الجبين» . وقد حسَّن الترمذي يرحمه الله هذا الحديث وأشار إلى علة سنده وهي الانقطاع بين قتادة وعبد الله بن بريدة. وهذا من جنس الحديث الضعيف المنجبر؛ لأن الحديث الذي فيه انقطاع وتوفرت فيه الشروط السابقة ولكن وجدت له طرق أخرى فإنه ينجبر بها.

وتعدد الطرق هل يكون جابرًا للضعف مطلقًا أم أنه مشروط بشروط؟

ذهب الحافظ ابن حجر يرحمه الله - كما في «شرحه على نخبة الفكر» ، وكذا» النكت الصلاحية «- إلى أنه لابد أن يكون التعدد مشروطًا بشرطٍ، وهو أن يكون مثل الطريق الذي يراد تقويته أو أكثر منه قوة. وأما أن يكون دونه فلا يكون جابرًا لغيره. وهذه من ترجيحات الحافظ يرحمه الله في مثل هذه المسألة.

والمقصود أن التعدد مطلقًا ليس جابرًا وإنما إذا كان بمثل الذي يراد جبره أو أكثر منه قوة. وأما إن كان حديثًا موضوعًا وثمت حديث آخر فيه انقطاع: فلا ينجبر الانقطاع بالحديث الموضوع، وهكذا يقاس.

وليعلم أن الحديث الصحيح ينقسم إلى قسمين أيضًا: إلى حديث صحيح لذاته، وإلى حديث صحيح لغيره.

أما الحديث الصحيح لذاته فسبقت شروطه الخمسة، ومنها تمام ضبط الراوي.

وأما الحديث الصحيح لغيره فضابطه أنه الحديث الحسن لذاته ولكن إذا تعددت طرقه. فالحديث الحسن لذاته إذا جاء من غير ما طريق فإنه يكون حديثًا صحيحًا لغيره. ولكن الحديث الصحيح لغيره؛ إما أن يكون سنده فردًا، وإما أن يتعدد، فإن كان فردًا سمي حسنًا لذاته، وإن كان قد تعدد فإما أن يكون ذلك الوجه الآخر دون الحسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت