الصفحة 15 من 340

إن كل أشكال القراءة للنصوص الشعرية والفلسفية,يمكن أن تُستخدمَ في قراءة الواقع,وربما استطعنا أن نميّز منها ثلاثة أشكال أساسية,هي:القراءة المزيفة,والقراءة العادية,والقراءة الناقدة المتعمقة,وكل واحدة من هذه القراءات درجات عدة0وإن كل ما سنذكره في هذا الكتاب,لا يعدو أن يكون نوعًا من المقاربة,وتوضيح بعض الملامح والأوضاع,ليس أكثر0

حين نريد فهم قضية بالغة التعقيد؛ فإن مما يعيننا على ذلك,تفتيت تلك القضية إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء؛وكلما نجحنا في تفتيتها أكثر,كان ذلك أعون لنا على فهم أعمق لها0إذا أردنا-على سبيل المثال- فهم ظاهرة (الفقر) وجب أن نعرَّف الفقر,ونحدد مرادنا من وراء إطلاق هذه الكلمة,وأن نحدد زمان هذه الظاهرة ومكانها,ونبحث بعد ذلك في جذور الفقر العميقة وأسبابه المباشرة والغير مباشرة,والجهات المسؤولة عن وجوده000

ورغم كل هذه التجزئة,فإن فهمنا لهذه الظاهرة,هو فهم مناهز,يروم ولا يصل ,ولا يقترب,ولا يُمسك!

لا ينبغي أن نهمل في هذا الشأن قضية مهمة,هي علاقات القضية التي نحاول فهمها,ففي زمان شديد التعقيد كزماننا, يصبح ما تستفيده أية قضية من علاقتها بالقضايا الأخرى بمثابة طبيعة ثانية لها0من العسير جدًا أن نفهم ظاهرة كظاهرة الفقر دون فهم تاريخ البلد الذي توطنت فيه الظاهرة,وجغرافيه وموارده الاقتصادية,والعادات الاجتماعية السائدة فيه,وطبيعة النظام السياسي الذي يحكمه,وفعاليّة نظامه القيمي في توجيه السلوك,ومدى سيادة القانون والنظم فيه00

إني لا أطمح إلى الفهم النهائي,ولا الإفهام الكامل,لكن كل ما أرجوه هو ألا أعطي انطباعات خاطئة عن المسائل التي سأتطرق إليها؛ومن الله الحَوْل والطَّوْل0

أولًا_من التفاؤل إلى العدمية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت