سبب الصعوبة البالغة في فهم الواقع العام,والعصر-على نحو أعقد-أن الناس أينما كانوا لا يستطيعون فهم الواقع إلا عبر (إشكالية) أو بنية معرفية فكرية مكونة من ثلاثة عناصر أساسية,هي:معتقداتهم وقيمهم,ومركَّبهم العقلي,والمعلومات المتعلقة بالشيء أو الحدث الذي يحاولون فهمه.
عقائد الناس وقيمهم,بينهما درجة ما من التفاوت والتباين؛حتى إن أبناء الملة الواحدة حين ينظرون إلى عمل ما من زاوية عَقَدية,لا يرونه على درجة واحد ة من الوضوح؛كما أن سلَّم القيم والأولويات ليس ذا ترتيب واحد بينهم,ومركَّباتهم العقلية أو المبادئ الثقافية والمعرفية التي ينظرون من خلالها إلى الأشياء,ليست هي الأخرى موحَّدة؛فعلى حين ينظر بعضهم بعيون التفاؤل وحُسن النية,ينظر آخرون بعيون الريبة والتشاؤم.وعلى حين يتمتع بعضهم برحابة الأفق والفهم العميق,يتناول بعضهم الآخر الأمور من زاوية ضيقة,ويستخدم أدوات معرفية مبسَّطة الفهم000
المعلومات بالقضية موضع الاستبصار متفاوتة تفاوتًا كبيرًا بين أهل بلد وأهل بلد آخر,وبين شخص وشخص آخر؛فالفارق ضخم بين معلومات المباشرين لأمر,ومعلومات الذين درسوا حوله,ومعلومات الذين سمعوابه000
هذا التفاوت بين عناصر البنية التي ندرك من خلالها الواقع,يؤدي في الحقيقة إلى تشابك ألوف الخيوط والمعطيات والاعتبارات التي تستدعي في النهاية ما لا يحصى من الفهوم والرؤى وزوايا النظر والمواقف وأشكال الاستجابة0وهذا كله يجعل فهمنا لعصرنا وواقعنا بالتالي نسبيًا0وكثيرًا ما نجد أنفسنا حيال فهم مسألة من مسائله كمن يدور داخل دوامة ,فقدت محورها!