فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 53

الأعجوبة، من جهة.

ومن جهة معرفة سُنّة الحفّاظ في باب التلقي والإلقاء، ومنها أنهم يكتبون ويستكتبون، ويدققون ويحققون، ويقابلون ويمتحنون، ويحدثون وينظرون، ويراجعون ويرجعون [1] ويسافرون بحمل البعير من المرويات والمحفوظات وفي غمرتها يصنّفون ... إلخ في عجائب وغرائب تشهد لهم بالأمانة والإمامة، والتقوى والإتقان، والروعة والورع، والصيانة والحفظ، فرحمة الله على تلك النفوس النفيسة، وفي الأمة يسري الخير.

ويقال له: وهل سمع الإمام البخاري - رحمه الله تعالى- إلا مما هو مزبور في الأجزاء، مرقوم في صحف، مدّون مضبوط في قراطيس الأتقياء الأمناء؟!

وفي ذلك: قال عبد الرحمن بن مهدي - رحمه الله تعالى:"يحرم على الرجل أن يروي حديثًا في أمر الدين حتى يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن، وكاسم الرجل".

وفي تأويل ما سلف، قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى:"كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئًا إلا حفظه، قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها".

وقال معمر:"رأيت قتادة قال لابن أبي عروبة: أمسك عليّ المصحف، فقرأ البقرة، فلم يخطئ حرفًا، فقال: يا أبا النضر، لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة".

وقال أبو داود الخفّاف:"سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لكأني أنظر إلى مئة"

ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفًا أسردها.

قال:"وأملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا"

وصفوة القول: ما قاله شيخ المقرئين والمحدثين أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش [2] - وقد رأى أنس بن مالك وحكى

(1) "ظل البخاري ستة عشر عاما يجمع الأحاديث الصحاح في دقة متناهية، وعمل دؤوب، وصبر على البحث وتحري الصواب قلما توافرت لباحث قبله أو بعده حتى اليوم، وكان بعد كل هذا لا يدون الحديث إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين."

يروي أحد تلامذته أنه بات عنده ذات ليلة فأحصى عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة.

وقال محمد بن أبي حاتم الوراق كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانا فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارا ويسرج ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها.

وروي عن البخاري أنه قال: لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله الحديث إن كان الرجل فهما، فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته فأما الآخرون لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون.

وكان العباس الدوري يقول: ما رأيت أحدا يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل كان لا يدع أصلا ولا فرعا إلا قلعه ثم قال لنا لا تدعوا من كلامه شيئا إلا كتبتموه"المصدر."

(2) جاء في ترجمته:"قال سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى: كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله وأحفظهم للحديث وأعلمهم بالفرائض."

وقال يحيى القطان - رحمه الله تعالى: هو علامة الإسلام.

قال وكيع بن الجراح - رحمه الله تعالى- كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى.

وقال عبد الله الخريبي - رحمه الله تعالى: ما خلف الأعمش أعبد منه.

الفضل بن موسى حدثنا الأعمش قال دخلت على مجاهد فلما خرجت من عنده تبعني بعض أصحابه فقال سمعت مجاهدا يقول: لو كانت بي قوة لاختلفت إلى هذا - يعني الأعمش ... إلخ"انظر ترجمته"سير أعلام النبلاء"المجلد السادس."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت