به وستنعم.
ومع التسليم: فقد أوتيت من سوء تصورك، وسُبّة جهلك، فالعرب كانوا آية في الحفظ والضبط، واعتبر ذا في حفظهم لأشعارهم وخطبهم مع طولها وإبداعهم فيها، في تفاصيل مذهلة [1]
وجه ثالث: إن من أهل الحديث من اشترط الأخذ من ذاكرة المحدث دون كتابه، لا في باب التلقي، وإنما من باب الاختبار ومعرفة الضبط والإتقان، وخولفوا، اعتبارا للأصل.
وعلى كلٍ: فالحفظ قام في السطور والصدور؛ مما أورث صحة ويقينا، فتمسكًا وثباتا، أغلق معه باب التخرص والتخمين والتخوين، والحمد لله رب العالمين.
ثانيًا: لحفظ السُّنَّة حظّ من قوله تعالى:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"سورة"الحجر"الآية (9) إذ الذكر: الكتاب والسُّنَّة، الوحي [2] هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: كونها تبيان كما أنها بيان.
ومن جهة ثالثة: استقلالها ببعض الأحكام.
وانظر كيف أطلق لفظ الحفظ؛ ليشمل: الزمان والمكان.
كما يشمل: حفظ المعنى كما اللفظ.
المتضمن: حفظ أسفارها ورجالاتها.
(1) هذا مع تصورنا مولده، واعتبارنا لتطوره إبان تنقله ومواقع ترقيه.
(2) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"قال تعالى:"وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" [الزخرف:36] وذكر الرحمن الذي أنزله هو الكتاب والسنة اللذان قال الله فيهما:"وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة: من الآية231] وقال تعالى:"لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ... " [آل عمران: 164] وهو الذكر الذي قال الله فيه:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: 9] "إهـ"الفتاوى الكبرى" (2/ 274)
ويقول أيضًا - رحمه الله تعالى:"فإن الدين محفوظ بحفظ الله له ولما كانت ألفاظ القرآن محفوظة منقولة بالتواتر لم يطمع أحد في إبطال شيء منه ولا في زيادة شيء فيه بخلاف الكتب التي قبله قال تعالى:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: 9] بخلاف كثير من الحديث طمع الشيطان في تحريف كثير منه وتغيير ألفاظه بالزيادة والنقصان والكذب في متونه وإسناده فأقام الله له من يحفظه ويحميه، وينفي عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فبينوا ما أدخل أهل الكذب فيه وأهل التحريف في معانيه""الرد على البكري" (1/ 171)
قلت: والمقصود: بأن طمع الشياطين هو المغايرة، غير أنه - رحمه الله تعالى- أردفه ببيان الدفع القاضي بسلامتها واستمراريتها، فاتفق على الحفظ، وهو المراد إثباته، فاثبت على السُّنَّة، وإياك وإياك.