مكانه حتى صلى الفجر. ثم جلس فغلبته عيناه ، فقال: اللهم إنى أعوذ بك من عين نوامة ، ومن بطن لا تشبع ، فقلت: حسبي هذا منه ، ثم رجعت.
وقال أحمد بن حرب: يا عجبا! لمن يعلم أن الجنة تزين فوقه ، وأن النار تسعر تحته كيف ينام بينهما؟!! وكان صلة بن أشيم قد تعقدت ساقه من طول القيام ، وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل القيامة غدا ما وجد مزيدا ، وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطوح ليضربه البرد ، وإذا كان في الصيف اضطجع داخل البيت ليجد الحر والغم ، فلا ينام ، ومات وهو ساجد ، وكان يقول: اللهم إنى أحب لقاءك فأحب لقائي.
وقال الخواص: دخلنا [ على] رحلة العابدة ، وكانت قد صامت حتى اسودت ، وبكت حتى عميت ، وصلت حتى أقعدت ، وكانت تصلي قاعدة ، فسلمنا عليها ، ثم ذكرناها شيئا من العفو ، لنهون عليها الأمر ، فشهقت ، ثم قالت: علمي بنفسي قرح فؤادي ، وكلم كبدي ، والله لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئا مذكورا. ثم أقبلت على صلاتها.
ومروي عن حبيبة العدويه: أنها كانت إذا صلت العتمة قامت على سطح لها وشدت عليها درعها وخمارها ، ثم قالت: إلهي قد غارت النجوم ، ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، وهذا مقامي بين يديك. ثم تقبل على صلاتها فإذا كان السحر ، وطلع الفجر ، قالت: إلهي هذا الليل قد أدبر ، وهذا النهار قد أسفر ، فليت شعري أقبلت مني ليلتي فأهنا؟ أم رددتها علي فأعزى؟ وعزتك لهذا دأبي ودأبك ما أبقيتني ، وعزتك لو انتهرتني من بابك لما برحت لما وقع في نفسي من جودك وكرمك. وكانت معاذه العدويه إذا جاء النهار تقول: هذا يومي الذي أموت فيه ، فما تطعم حتى تمسي ، فإذا جاء الليل ، تقول: هذه ليلتي التي أموت فيها ، فتصلي حتى تصبح. وقال القاسم بن راشد الشيباني: كان زمعة نازلا عندنا بالمحصب ، وكان له أهل وبنات ، وكان يقوم ويصلي ليلا طويلا ، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته: أيها الركب