الصفحة 22 من 732

ووقف هؤلاء وهؤلاء عند ظواهر الحديث كما أدت إليه الرواية مطمئنين

إليها ، آخذين بها من غير بحث فيها ولا تمحيص لها . وعلى أنهم قد

بذلوا أقصى جهدهم في دراسة علم الحديث من حيث العناية بسنده حتى

قيل:"إن علم الحديث قد نضج واحترق" (1) . فإنهم قد أهملوا

جميعا أمرا خطيرا كان يجب أن يعرف قبل النظر في هذا العلم ودرس

كتبه - ذلك هو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدث به النبي صلوات

الله عليه . وهل أمر بكتابة هذا النص بلفظه عند إلقائه - كما فعل

بالقرآن الكريم . أو تركه ونهى عن كتابته ؟ وهل دونه الصحابة ومن

بعدهم ، أو انصرفوا عن تدوينه ؟ وماذا كان أمرهم - ومن تبعهم -

عندما أخذوا في روايته ؟ وهل ما روى منه قد جاء مطابقا لحقيقة ما

نطق به النبي - لفظا ومعنى - أو كان مخالفا له ؟ وما هي العوامل

التي تدسست إليه من نزعات أعدائه ، والمؤثرات التي أصابته من أغراض

أوليائه ، حتى شيب بما ليس منه ، وتسرب إليه ما هو غريب عنه ؟ ثم

في أي زمن دون ما حملته الرواية منه ؟ وهل اتخذ التدوين طريقة

واحدة لم تتغير على مد العصور وتوالي الاجيال ؟ وفي أية صورة خرج

أخيرا إلى الناس في كتبه التي اعتمد عليها الجمهور ؟ وماذا كان

موقف علماء الامة منه ؟ وما مبلغ ثقتهم به ، ومدى اختلافهم فيه ،

بعد أن عراه ما عراه وتأثر بما تأثر به ؟ وما إلى ذلك من الامور

المهمة التي يجب أن يعرفها كل مسلم أو باحث في الدين الاسلامي قبل

النظر فيه ، والاخذ بما تؤدي إليه ألفاظه ومعانيه . أما هذا كله

وغيره مما يتصل - بحياة الحديث وتاريخه - فقد انصرف عنه العلماء

والباحثون ، وتركوه أخبارا في بطون الكتب مبعثرة ، وأقوالا بين

ضمائر الاسفار مستترة ، لا يضم نشرهاك تاب ولا يعنى بتصنيفها باحث

نقاب (2) . ولقد كان يجب عليهم قبل أن يشتغلوا بعلم الحديث أن

يعرفوا تاريخ هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت