أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في (( صحيح مسلم ) ) (1) ، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.
وثانيهما: [ لسعة ] حفظهم، وسيلان أذهانهم ، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة , ثم حدث في أواخر عصر التابعين
[ أ / 5 ] تدوين الآثار، وتبويب الأخبار، لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض, ومنكري الأقدار، واتسع الخرق على الراقع، وكاد أن يلتبس الباطل بالحق
(1) - (صحيح مسلم) ( جزء 4 ص 2298) حديث رقم (3004) عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب علي) , قال همام أحسبه قال: ( متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) , قال النووي رحمه الله: لا تكتبوا عني, قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي, فقيل: هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب , وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث: ( اكتبوا لأبي شاة ) , وحديث صحيفة علي رضي الله عنه , وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات , وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين , وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو بن العاص: كان يكتب ولا أكتب وغير ذلك من الأحاديث, وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث , وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة , وقيل: إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ . اهـ