الصفحة 63 من 593

وأقول: واضح من تلك الروايات أنها تتضمن القول بإمكانية أن يكون القرآن الكريم قد ضاع شيء منه، أو أدخل فيه ما ليس منه، فهي تُشبه الرواية الأولى من هذا الجانب. فحسب زعمها أن عملية جمع القرآن لم تتم بجمع نسخه الأصلية التي أمر النبي- عليه الصلاة و السلام- بكتابتها، وإنما تمت بناء على ما كان عند الناس من نسخ ورقوق، وقراطيس ليست أصلية. كما أن جمعه لم يتم مباشرة بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم-. ولا تم جمعه بطريقة علمية، ولا كانت شاملة جامعة، ولا تولاها صحابة أكفاء، وإنما تُرك الأمر لرغبات الناس، فمن أراد أن يأتي بما عنده من صُحف أتى بها، ومن لم يرد فهو حر ولا أحد يُطالبه بها. ولا شك أن هذه المعطيات هي نقائص تقدح في القرآن الكريم وتطعن فيه بأنه قد يكون ضاع قسم منه، لأن عملية جمعه شابته نقائص كثيرة. فهل هذا صحيح؟؟!!.

إن تلك الرواية بطرقها لم تصح متنا ولا إسنادا. فأما متنا فإنها لا تصح بدليل الشواهد الآتية: الأول إنه متن مردود بالرواية الصحيحة التي نصت على أن جمع القرآن تم في الأيام الأولى من خلافة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- و لم يتأخر إلى أيام عثمان بن عفان- رضي الله عنه-، و هذا أمر سبق بيانه و توثيقه.

و الشاهد الثاني مفاده أن تلك الرواية مردودة بالرواية الصحيحة التي ذكرت عمل عثمان في توحيد المصاحف. فذكرت أن سبب ذلك هو أن الصحابي حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه-جاء إليه و طلب منه أن يضع حدا لاختلاف المسلمين في الحروف والقراءات القرآنية. ومن جهة أخرى ذكرت أن عثمان طلب المصحف البكري الإمام من أم المؤمنين حفصة ليعتمده مصدرا وحيدا في توحيده للمصاحف، فأرسلته إليه، واعتمده أصلا في عمله، ثم رده إليها [1] .و لم تذكر أنه قام بجمع القرآن، فطلب من الناس أن يأتوه بما عندهم من النسخ القرآنية كما زعمت تلك الرواية- الثانية -.

والشاهد الثالث هو أن تلك الرواية مردودة بالقرآن الكريم، فهي قد تضمنت معطيات توصل إلى القول بأن القرآن الكريم قد يكون ضاع قسم منه، وهذا قول باطل جملة و تفصيلا، يرفضه القرآن رفضا مُطلقا. فكل رواية تزعم ذلك، أو تقول بأن القرآن فد تعرض للتحريف فهي رواية

(1) البخاري: الصحيح، ج 6، ص: 183، رقم: 4987.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت