الصفحة 60 من 593

و أما متنا فالشواهد الآتية تُبطله: أولها إنه متن مُخالف للرواية الصحيحة التي نصت على أن جمع القرآن الكريم لم يتأخر إلى خلافة عمر وعثمان- رضي الله عنهما، و إنما تم منذ الأيام الأولى من خلافة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه [1] .

والشاهد الثاني مضمونه أنها زعمت أن الصحابي خزيمة بن ثابت جاء بآيتين، وقال للكُتاب: إنكم تركتم آيتين لم تكتبوهما. و هذا لا يصح لأنه مُخالف للرواية الصحيحة التي نصت على أن الآية التي كانت عند الصحابي خزيمة لم ينفرد بها دون المسلمين، فقد كانت معروفة لديهم، فكان زيد بن ثابت يحفظها، و قد سمعها من رسول الله-عليه الصلاة والسلام- لكنه لم يجد أصلها المكتوب فوجده عند خزيمة بن ثابت [2] .

والثالث مفاده أنه لا يصح الزعم بأن صحابيا انفرد عن غيره من الصحابة ببعض من القرآن لم يكن عند باقي المسلمين. فهذا لا يصح شرعا ولا عقلا، لأن النبي-عليه الصلاة والسلام- مأمور بأداء الرسالة وتبليغها على أكمل وجه، ولا يصح الزعم أنه توفي وترك شيئا من القرآن لم يُبلّغه لأمته. فهذا زعم باطل و إلا ما كان الدين قد اكتمل، ولا حفظه الله تعالى، ولا قال لنبيه: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة: 67 ) )، و (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94 ) ). و بما أن دين الإسلام قد اكتمل لقوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة: 3 ) )، و الرسول قد أدى الرسالة على أكمل وجه، فهذا يستلزم أن النبي -عليه الصلاة و السلام- قد بلغ القرآن كله إلى أمته من دون أي نقص.

والشاهد الرابع هو أن تلك الرواية بما أنها تضمنت القول بإمكانية أن يكون القرآن قد ضاع منه شيء، فهذا دليل قاطع على بطلانها. لأن أية رواية تقول ذلك، أو تزعم أن القرآن قد تعرّض فعلا للتحريف، فهي باطلة بالضرورة. لأنها تخالف قطعيات الكتاب التي نصت على أن الله تعالى تولى حفظ كتابه، و أنه كتاب مُحكم لا يأتيه الباطل أبدا. قال سبحانه:

(1) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 71 رقم: 4679.

(2) البخاري: الصحيح، ج 5 ص: 95، رقم:4049، و ج 6 ص: 183، رقم: 4987.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت