الصفحة 58 من 593

عمر بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس فقال:"من كان تلقى من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في المصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك، فقال عثمان بن عفان- رضي الله عنه-: من كان عنده من كتاب الله شيء فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما قال: وما هما؟ قال: تلقيت من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم"، إلى آخر السورة قال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن تجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة")) [1] .

وأقول: هذه الرواية تتضمن القول بإمكانية أن يكون القرآن قد ضاعت منه سور أو آيات.، فهو لم يصلنا كاملا، بدليل الشواهد الآتية: الأول إنها أغفلت ذكر النُسخ الأصلية للقرآن التي كُتبت بين يديّ النبي-عليه الصلاة والسلام-،بأمر منه، و تحت إشرافه. وهذا يعني أن عملية جمع القرآن لم تقم على النُسخ الأصلية، و إنما على ما كان عند الناس من نُسخ، وصُحف، ورقوق مُتفرقة هنا وهناك. فأين النُسخ الأصلية؟، و لماذا أُغفلت؟، فهل ضاعت؟. فغياب هذه الأصول يُفقد المصحف أصالته ووثاقته.

والشاهد الثاني مضمونه أن تلك الرواية زعمت أن جمع القرآن شُرع فيه في آخر أيام عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فتوفي ولم يكتمل جمعه، فأتمه عثمان بن عفان - رضي الله عنه- سنة 23 هـ. و هذا يعني أن جمع القرآن تأخر كثيرا، و لم يتم مباشرة بعد وفاة- النبي- عليه الصلاة والسلام-، و هذا يجعل إمكانية أن يكون شيء من القرآن قد ضاع أمرا واردا، و مُحتملا، خلال المدة التي لم يكن فيها مجموعا.

والشاهد الثالث مفاده أن تلك الرواية لم تذكر أن الجمع تم بطريقة علمية ومنظمة، وعلى أيدي صحابة أكفاء مُختصين، تولوا عملية البحث والجمع فكان عملهم شاملا جامعا، و إنما زعمت أن العملية تمت بطريقة

(1) ابن أبي داود: المصاحف، حققه محب الدين واعظ، ط2، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 2002، ص: -224 - 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت