فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون"1."
ففي هذين الحديثين بيان أن عمر رضي الله عنه لم يعهد بالخلافة من بعده إلى واحد بعينه وإنما جعلها شورى في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وقد التمس بعض أهل العلم وجه الحكمة من جعل عمر الأمر شورى بين الستة دون أن يعين واحدًا.
فقد قال ابن بطال:"إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكًا متوسطًا خشية الفتنة فرأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين فجعل الأمر معقودًا على الستة لئلا يترك الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فأخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم طرفًا وهو ترك التعيين، ومن فعل أبي بكر طرفًا وهو العقد لأحد الستة وإن لم ينص عليه"أ. هـ2.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"وأما عمر رضي الله عنه فرأى الأمر في الستة متقاربًا فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر ورأى أنه إن عين واحدًا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل فيكون منسوبًا إليه فترك التعيين خوفًا من الله ـ تعالى ـ وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم فجمع بين المصلحتين بين تعيينهم إذ لا أحق منهم وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير، والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة وإذا كان من الأمور أمور لا يمكن دفعها فتلك لا تدخل في التكليف وكان كما رآه فعلم أنه إن ولّي واحدًا من الستة فلا بد أن يحصل نوع من التأخر عن سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأن يحصل بسبب ذلك مشاجرة كما جبل الله على ذلك طباع بني آدم، وإن كانوا من أولياء الله المتقين، وذكر في"
1ـ صحيح البخاري 4/245-246.
2ـ فتح الباري 13/207.