اختلف السادة المحدثون في حدِّ (الحديث المرسل) ، فكان لهم فيه تعاريف كثيرة ، لكن بعد الوقوف عليها ، يتضح أنها تعود إلى الأوجه الثلاثة التالية:
(الأول) : ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
* وهذه الصورة صرَّح بها عددٌ من أهل العلم من أمثال الإمام الشافعي -رحمه الله- كما سيأتي تقريره ، وقد ذكر ذلك ابن الصلاح في (علوم الحديث: ص47) وغيره من المحدثين.
* ولكن جمهرة المحدثين والفقهاء والأصوليين لا يقصرون المرسل على هذه الصورة وحدها ، وإنما قَصَرَه عليها عددٌ من أهل العلم كما أسلفنا ، وكما أشار إليه الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- في (التمهيد 1/19) .
(الثاني) : ما رفعه التابعي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، سواءٌ كان ذلك التابعي من كبار التابعين أو من صغارهم ، وسواءٌ كان المرفوع قولًا أو فعلًا.
* وهذا التعريف هو المشهور عند أهل الحديث كما ذكر ابن الصلاح في (علوم الحديث: ص47) ، وابن دقيق العيد في (الاقتراح: ص192) ، والعراقي في (التبصرة والتذكرة 1/144) ، وابن حجر في (النزهة: ص41) ، والسخاوي في (فتح المغيث 1/131) وغيرهم كثير.
وقد ذهب إليه من الأصوليين والفقهاء الإمام أبو نصر الصباغ ، وأبو بكر ابن فورك ، وابن برهان ، والسمعاني ، والقرافي ، كما أشار لذلك العلائي في (جامع التحصيل: ص21و22) .
وتعقَّب الحافظ ابن حجر -رحمه الله- هذا التعريف ، وذلك: لأنه يدخل فيه ما سمعه بعض الناس في حال كفره من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أسلم بعد ذلك ، وحدَّث عنه بما سمعه منه ، كالتنوخي رسول هرقل ، فإنه مع كونه تابعيًا ، محكوم لما سمعه بالاتصال لا الإرسال ، ولذلك ذكر الحافظ -رحمه الله- في (النكت: ص546) أنه ينبغي أن يُضاف في هذا الحد ما يخرج ذلك بحيث يقال: (هو ما أضافه التابعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مما سمعه من غيره) .