وهذه المعاصي منها ما يتعلق بحق الله ، ومنها ما يتعلق بحق الإنسان نفسه، ومنها ما يتعلق بحق الخلق. وتحقيق لا إله إلا الله أمر في غاية الصعوبة، ولهذا قال بعض السلف:"كل معصية، فهي نوع من الشرك". وقال بعض السلف:"ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص"، ولا يعرف هذا إلا المؤمن، أما غير المؤمن؛ فلا يجاهد نفسه على الإخلاص، ولهذا قيل لابن عباس:"إنّ اليهود يقولون: نحن لا نوسوس في الصلاة. قال: فما يصنع الشيطان بقلبٍ خرب؟!"؛ فالشيطان لا يأتي ليخرّب المهدوم، ولكن يأتي ليخرّب المعمور، ولهذا لما شُكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرجل يجد في نفسه ما يستعظم أن يتكلم به؛ قال:"وجدتم ذلك؟". قالوا: نعم. قال:"ذاك صريح الإيمان" (1) ؛ أي: أن ذاك هو العلامة البينة على أنّ إيمانكم صريح لأنّه ورد عليه، ولا يرد إلا على قلب صحيح خالص.
قوله:"من شهد أن لا إله إلا الله"، من: شرطية، وجواب الشرط:"أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". والشهادة: هي الاعتراف باللسان، والاعتقاد بالقلب، والتصديق بالجوارح، ولهذا لما قال المنافقون للرسول - صلى الله عليه وسلم: { نشهد إنّك لرسول الله } [المنافقون: 1] وهذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: الشهادة، وإن، واللام، كذبهم الله بقوله: { والله يعلم إنّك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } [المنافقون: 1] ؛ فلم ينفعهم هذا الإقرار باللسان لأنه خالٍ من الاعتقاد بالقلب، وخالٍ من التصديق بالعمل، فلم ينفع؛ فلا تتحقق الشهادة إلا بعقيدة في القلب، واعتراف باللسان، وتصديق بالعمل. وقوله:"لا إله إلا الله"، أي: لا معبود على وجه يستحق أن يعبد إلا الله ، وهذه الأصنام التي تعبد لا تستحق العبادة؛ لأنه ليس فيها من خصائص الألوهية شيء.
(1) مسلم: كتاب الإيمان/ باب الوسوسة في الإيمان.