(ق) :"من شهد أن لا اله إلا الله"، الشهادة لا تكون إلا عن علم سابق، قال تعالى: { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86] ، وهذا العلم قد يكون مكتسبًا وقد يكون غريزيًا. فالعلم بأنه لا إله إلا الله غريزيٌ، قال - صلى الله عليه وسلم:"كل مولودٍ يولد على الفطرة" (1) . وقد يكون مكتسبًا، وذلك بتدبر آيات الله ، والتفكر فيها. ولابد أن يوجد العلم بلا إله إلا الله ثم الشهادة بها.
قوله: (أنْ) ، مخففة من الثقيلة، والنطق بأن مشددة خطأٌ، لأن المشددة لا يمكن حذف اسمها، والمخفّفة يمكن حذفه.
قوله: (لا إله) ، أي: لا مألوه، وليس بمعنى لا آله، والمألوه: هو المعبود محبةً وتعظيماُ، تحبه وتعظمه لما تعلم من صفاته العظيمة وأفعاله الجليلة.
قوله: (إلا الله ) ، أي: لا مألوه إلا الله ، ولهذا حكي عن قريش قولهم: { أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيءٌ عجابٌ } [ص: 5] .
أما قوله تعالى: { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء } [هود: 101] ، فهذا التأله باطل؛ لأنه بغير حق، فهو منفيٌ شرعًا، وإذا انتفى شرعًا؛ فهو كالمنتفي وقوعًا؛ فلا قرار له، { ومثل كلمة خبيثة كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثت من فوق الأرض ما لها قرار } [إبراهيم: 26] . وبهذا يحصل الجمع بين قوله تعالى: { فما أغنت عنهم آلهتهم } [هود: 101] ، وقوله تعالى حكايةً عن قريش: { أجعل الآلهة إلهًا واحدًا } [ص: 5] ، وبين قوله تعالى: { وما من إله إلا الله } [آل عمران: 62] ؛ فهذه الآلهة مجرد أسماء لا معاني لها ولا حقيقة؛ إذ هي باطلة شرعًا، لا تستحق أن تسمى آلهة؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تخلق ولا ترزق؛ كما قال تعالى: { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } [يوسف: 40] .
(1) البخاري: كتاب الجنائز/ باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم: كتاب القدر/ باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.