السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. هذه ليست على إطلاقها؛ إذ إن كتمان العلم على سبيل الإطلاق لا يجوز لأنه ليس بمصلحة، ولهذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا ولم يكتم ذلك مطلقًا، وأما كتمان العلم في بعض الأحوال، أو عن بعض الأشخاص لا على سبيل الإطلاق؛ فجائز للمصلحة؛ كما كتم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك عن بقية الصحابة خشية أن يتكلوا عليه، وقال لمعاذ: (لا تبشرهم فيتكلوا) .
ونظير هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة: (بشر الناس أن من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنّة) (1)
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره. لقوله: (أفلا أبشر الناس؟) ، وهذه من أحسن الفوائد.
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله . وذلك لقوله: (لا تبشرهم فيتكلوا) ؛ لأن الاتكال على رحمة الله يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله .
وكذلك القنوط من رحمة الله يبعد الإنسان من التوبة ويسبب اليأس من رحمة الله ، ولهذا قال الإمام أحمد: (ينبغي أن يكون سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه) ، فإذا غلب الرجاء أدى ذلك إلى الأمن من مكر الله ، وإذا غلب الخوف أدى ذلك إلى القنوط من رحمة الله .
وقال بعض العلماء: إن كان مريضًا غلب جانب الرجاء، وإن كان صحيحًا غلب جانب الخوف.
وقال بعض العلماء: إذا نظر إلى رحمة الله وفضله غلب جانب الرجاء, وإذا نظر إلى فعله وعمله غلب جانب الخوف لتحصل التوبة.
ويستدلون بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } (المؤمنون: من الآية60) ؛ أي: خائفة أن لا يكون تقبل منهم لتقصير أو قصور، وهذا القول جيد، وقيل: يغلب الرجاء عند فعل الطاعة ليحسن الظن بالله، ويغلب جانب الخوف إذا هم بالمعصية لئلا ينتهك حرمات الله .
(1) مسلم: كتاب الإيمان/باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة.