بنغازي في 29-7-1945
من القاهرة الى بنغازي
أعلمنا مكتب الطيران أننا مسافرون في مساء هذا اليوم فأخذنا نجهز أنفسنا للسفر، وطفنا بالأصدقاء نودعهم وفي الوداع بعض التفريج عن وحشة السفر. وبعد أن غادرنا الأوتيل الى المطار الأمريكي على مسيرة نصف ساعة بالسيارة مما يلي مصر الجديدة، وفي تمام الساعة العاشرة مساء حلقت بنا الطائرة في سماء القاهرة ومضت تشق طريقها في الفضاء عبر شمال إفريقيا من المشرق الى المغرب، فلم يتح لنا الليل أن نرى تلك البقاع التاريخية التي كانت الى عهد قريب ميدانا فاصلا من ميادين هذه الحرب، ولم نستطع أن نجتلي معالم المواقع التي طفحت بها جغرافية الحرب ، ولم تكن جغرافية التلمذة أيام الصبا لتذكرها في قليل أو كثير.
وظلت الطائرة تمزق سكون الفضاء من غير ارتجاج أو اهتزاز حتى أقبلت علينا عاصفة ثائرة لعبت بالطائرة لعب مارد متجبر، وغدت الطائرة التي كانت حتى الآن تسيطر على الجو وتمزق آفاقه، موضع عبث وسخرية بين يدي العاصف الجبار. وقد استمر هذا العاصف ممسكا بها ساعة أو بعضها ولم يفلتها إلا قبل هبوطنا في بنغازي، بعد أن قدم بين يديها آية من آيات القدرة الكامنة في هذا العالم الجبار.
وهبطنا في بنغازي في أعقاب الليل فشملتنا رهبة المكان الذي تداولته الجيوش المحاربة مرات ومرات، وفيه احترب الناس حتى آخى بينهم الموت،