إن كان النص معلومًا أو: على المفهوم منه إن لم يكن معلومًا لوروده على خلاف القياس ولم يأت ابن عباس-رضي الله عنهما- بلفظ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولا بمعنى لفظه حتى ننظر في عمومه وخصوصه إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصًا لذلك العموم فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس وعدم الإلحاق به فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها ولو نسلم صحة الإلحاق وتخصيص العموم به، فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام أو: أكثر، وأما في أقل من ذلك فلا.
وهذا ظاهر فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو: الناحية أو: البلد في المنع من العمل بالرؤية والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية وجماعة من الزيدية واختاره المهدي منهم، وحكاه القرطبي عن شيوخه أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر من أن هذا القول خلاف الإجماع. قال: لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس وذلك لأن الإجماع لا يتم والمخالف مثل هؤلاء الجماعة) [1] .
وقال ابنه أحمد بن محمد الشوكاني-عند قول والده: (وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة) : (لهم في الصوم لعدم التقيد بمحل ولا بلد، وقول ابن عباس الذي أخبره أنه رأى الهلال بالشام:(لكنا لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين) . لا حجة فيه لعدم التصريح منه بأن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-نهى عن موافقة أهل البلد الآخر في رؤية الهلال. وأما قوله: (هكذا أمرنا رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-) . فالمراد به إكمال العدة) [2] .
(1) - انظر: (نيل الأوطار) (3ج4/ 195)
(2) - انظر: (السموط الذهبية) (ص:117) .