أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل: أراد ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه أمرهم بإكمال الثلاثين أو: يروه ظنًا منه أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل.
وهذا خطأ في الاستدلال أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرقوا في ذلك على ثمانية مذاهب. وقد أوضحت المقام في الرسالة التي سميتها: (إطلاع أرباب الكمال، على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال) [1] .
وقال أيضًا في موضع آخر-بعد أن ذكر حديث كريب-: (واعلم: أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس -رضي الله عنهما- لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله: هكذا أمرنا رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- هو قوله:(فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين) ، والأمر الكائن من رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ... فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) [2] .
وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل: هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم.
ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر لكان عدم اللزوم مقيدًا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع وعدم عمل ابن عباس-رضي الله عنهما- برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف، عمل بالاجتهاد وليس بحجة.
ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا؟ فلا يقبل التخصيص إلا بدليل، ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص
(1) -انظر: (الدرر المضية، شرح الدرر البهية) (2/ 193)
(2) -انظر: تخريجه بتوسع في هامش (المسند) (9/ 218/و15/ 546/و23/ 33 - ط: مؤسسة الرسالة) .