الصفحة 17 من 42

فلم يبق شك في تعيين مراده، فالحديث إذًا دليل لقول الجمهور، وزعم أنه أراد لكل بلد رؤيتهم، من الكذب المقطوع به على رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وابن عباس معًا.

3 -يؤيد ذلك الوجه الثالث: وهو أن ما أشار إليه ابن عباس بقوله: هكذا أمرنا رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، قد ورد عنه مبينًا مفسرًا من رواية كريب نفسه، وهو قاطع لكل شغب.

قال البيهقي في (سننه) : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا عبيد بن شريك: ثنا ابن أبي مريم، أنا محمد بن جعفر، ثني محمد بن حرملة، أخبرني كريب أنه سمع ابن عباس يقول: (أمرنا رسول الله أن نصوم لرؤية الهلال ونفطر لرؤيته فإن غم علينا أن نكمل ثلاثين) [1] .

فهذا هو حديث كريب نفسه اختصره بعض الرواة بقوله: هكذا أمرنا رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، ولم يزد.

والواقع أن ابن عباس-رضي الله عنهما-قاله مفسرًا كما هنا، ويدل على ذلك أن الراوي لحديث كريب الذي احتجوا به هو نفس الراوي لهذا الحديث المفسر، وهو محمد بن أبي حرملة-ثم ساق روايات كثيرة) [2] .

قال العلامة محمد بن علي الشوكاني عند قوله: (وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافِقة) : (وأما كونه إذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقةُ [3] ، فوجهه الأحاديث المصرحة بالصيام لرؤيته، والإفطار لرؤيته؛ وهي خطاب لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان، كان ذلك رؤية لجميعهم. وأما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره ... وله ألفاظ فغير صحيح، لأنه لم يصرح ابن عباس بأن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-

(1) - والمقرر في (مصطلح الحديث) : أن غريب الحديث يفسره غريب آخر. وأن الحديث لا يؤخذ منه الحكم، إلا بعد أن نجمع طرقه وألفاظه. قال الإمام أحمد: (الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا) . وقال ابن المديني: (الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تعرف علته) . كما في (الجامع لأخلاق الراوي) (2/ 212) ، و (تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح) (ص:38) . انتهى من كتابي: (إعلام الخائض بجواز مس المصحف للجنب والحائض) (ص:44) . و (نشر الإعلام بمروق الكرفطي من الإسلام) (ص:35) . لفضيلة شيخنا محمد بوخبزة-حفظه الله-.

(2) - انظر: (توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين، في الصوم والإفطار) (ص:111/ 112) . ط دار البيارق. تقديم أخينا الفاضل الشيخ العلامة حسن الكتاني.

(3) - (الموافقةُ) : فاعل لزم أي: لزمهم الموافقة لهم في الصوم. (الدرر المضية، شرح الدرر البهية) . (2/ 193)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت