وقال مجاهد: قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمدٌ أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، وما يدريه ما الغيب، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال مَعْمَر عن قَتَادة: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوك ورَكْبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: أيظنُّ هذا أن يفتح قصورَ الروم وحصونَهَا؟ فأطْلَعَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"عَليَّ بِهَؤُلاَءِ النَّفَرِ"فدعا بهم فقال:"أََََقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟"فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب.
قال مَعْمر وقال الكلبي: كان رجل منهم لم يمالهم في الحديث يسير مجانبًا لهم، فنزلت: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً) فسُمي طائفة وهو واحد.
فهؤلاء لما تنقَّصوا النبي صلى الله عليه وسلم حيث عابوه والعلماءَ من أصحابه، واستهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك، وإن قالوه استهزاء، فكيف بما هو أغلظ من ذلك؟ وإنما لم يُقِم الحدَّ عليهم لكون جهاد المنافقين لم يكن قد أُمِرَ به إذ ذاك، بل كان مأمورًا بأن يَدَعَ أذاهم، ولأنه كان له أن يعفو عمن تنقصه وآذاه"."
3-…قال سبحانه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) [التوبة 58] ، وقال تعالى: (وَمِنْهُمُ الذِينَ يُؤْذُونَ النّبي) [التوبة 61] .
يقول شيخ الإسلام:".. وذلك يدلُّ على أن كلَّ من لمزه أو آذاه كان منهم ؛ لأن (الَّذِينَ) و (مَنْ) اسمان موصولان، وهما من صيغ العموم، والآية وإن كانت نزلت بسبب لَمْزِ قَوْمٍ وأذى آخرين، فحكمها عامٌّ كسائر الآيات اللواتي نزلَنْ على أسباب، وليس بين الناس خلافٌ نعلمه أنها تعمُّ الشخصَ الذي نزلت بسببه ومَن كان حاله كحاله، ولكن إذا كان اللفظ أعمَّ من ذلك السبب فقد قيل: إنه يُقْتَصَر على سببه، والذي عليه جماهيرُ الناس أنه يجب الأخْذُ بعموم القول، ما لم يقم دليل يوجب القصر على السبب كما هو مقرر في موضعه".