دلائل النبوة
كما تقدم فإن للنبوة أهمية كبيرة في حياة البشر، فالنبوة واسطة بين الخالق والمخلوق في تبليغ شرعه وسفارة بين الملك وعبيده، ودعوة من الرحمن الرحيم - تبارك وتعالى - لخلقه ليُخرجهم من الظلمات إلى النور، وينقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
فهي نعمة مهداة من الله - تبارك وتعالى - إلى عبيده، وفضل إلهيّ يتفضّل بها عليهم. هذا في حقّ المرسَل إليهم.
ولما كانت النبوة بهذه المثابة ولما كان للأنبياء هذا الدور فإنه من رحمة الله عزوجل وعدله بعباده أن أرسل أنبيائه ورسله تترى إلى البشر، غير أنه كيف للبشر أن يعرفوا النبي الصادق من الدعي الكاذب، خاصة وأن الشيطان قد زين لكثيرين إدعاء دعوى النبوة والتزي بزي الرسل من أجل ضلال العباد، فإن الله عزوجل منح رسله وأنبيائه دلائل وعلامات هي من الكثرة بمكان ومن الوضوح بمحل تكفى الواحدة منها أن تكون سببًا ودافعًا لإيمان البشر بهذا النبي.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ودلائل النبوّة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر والبيِّن لكلّ أحد؛ كالحوادث المشهودة؛ فإنّ الخلق كلّهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق، والإقرار برسله".
ولا شك أنّ معرفة الله، والإيمان به، وعبادته، ومعرفة رسوله، وطاعته، يحتاجها كلّ مخلوق مكلّف.
ومن حكمة الله تعالى أنّه كلّما كان الناس إلى معرفة شيء أحوج، فإنّه - جلّ وعلا - يجعله سهلًا ميسّرًا غير ذي عِوَج.
ولحاجة الناس إلى معرفة النبوة، والإقرار بالرسول، فقد وضّحها المولى - جلّ وعلا - في كتابه توضيحًا أعظم من أن يُشرح في هذا المقام، إذ الشرح يطول.
يقول شيخ الإسلام:"فتقرير النبوات من القرآن الكريم أعظم من أن يُشرح في هذا المقام، إذ ذلك هو عماد الدين، وأصل الدعوة النبوية، وينبوع كلّ خير، وجماع كلّ هدى".
معني دلائل النبوة:
الدّليل لغةً: هو المرشد والكاشف، من دللت على الشّيء ودللت إليه، والدّالّ وصف للفاعل.
والدّليل ما يتوصّل بصحيح النّظر فيه إلى العلم بمطلوبٍ خبريٍّ ولو ظنًّا، وقد يخصّه بعضهم بالقطعيّ.
وقال الجرجاني في التعريفات: الدليل في اللغة: هو المرشد، وما به الإرشاد، وفي الاصطلاح: هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن دلائل النبوة:"وهي الأدلة والعلامات المستلزمة لصدقهم، والدليل لا يكون إلاَّ مستلزما للمدلول عليه مختصًا به، لا يكون مشتركًا بينه وبين غيره؛ فإنّه يلزم من تحقّقه تحقّق المدلول."
وإذا انتفى المدلول انتفى هو؛ فما يوجد مع وجود الشيء، ومع عدمه، لا يكون دليلًا عليه، بل الدليل ما لا يكون إلاَّ مع وجوده، فما وُجد مع النبوّة تارةً، ومع عدم النبوّة تارةً، لم يكن دليلًا على النبوّة، بل دليلها ما يلزم من وجوده وجودها"."