فهو الداعي إلى الفرعونية والأدب المكشوف وأن عصر الإسلام الأول عصر شك ومجون، وهو الذي سخر بابن خلدون علامة فكرنا، ووصف المتنبي شاعرنا الأكبر بأنه لقيط ليس له أب، وهو الذي قال لطلبته في كلية الآداب أن القرآن كتاب أدب يوضع موضع النقد ويقال أن هذه الآية كذا وكذا، وهو داعية (عالمية الثقافة) لينصهر الفكر الإسلامي في بوتقة الأممية، وداعي نقل مناهج التعليم والتربية الغربية، وهو الذي اتخذ من كتاب الأغاني مصدرًا لدراسة المجتمع الإسلامي وهو كتاب غير مؤهل لهذه الدراسة. وهو الذي فتح الأبواب لهؤلاء جميعًا الذين جرأوا على مواريث الإسلام، ومِن الحق أن يقال أن الباحثين المسلمين لم يؤمنوا لحظة بمذهب تقديس السلف سواء في التاريخ أو غيره؛ ولكنهم كانوا يؤمنون ولا يزالون بحماية هذا الميراث العظيم الذي أعطاهم الإسلام وتكريم هؤلاء الصفوة من الصحابة الأعلام الذين شادوا هذا المجد، وتجاوزهم البحث في هذا الخلاف الذي دخلته زيوف كثيرة وأكاذيب كثيرة، وكانت وجهتهم دائمًا إلى القرآن وحده وإلى التماس الأسوة من الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو المعصوم والمؤيد بالوحي، وقد فضلوا دائمًا بين (منهج الإسلام) وبين (تاريخ الإسلام) ، ولكنهم لم يكونوا ليجرؤا على تناول تراثهم على هذا النحو من الاحتقار والسخرية والمهانة التي حاول طه حسين أن يتناوله بها.
أنور الجندي