ولقد اعتقد المسلمون على مدى القرون، وهو الحق: أن لغتهم جزء من حقيقة الإسلام؛ لأنها كانت ترجمانًا لوحي الله ولغة لكاتبه ومعجزة رسوله ولسانًا لدعوته، ثم هذبها النبي الكريم بحديثه ونشرها الدين بانتشارها وخلدها القرآن بخلوده، فالقرآن لا يسمى قرآنًا إلا بها والصلاة لا تكون صلاة إلا بها، وأن"الأرجانون"لأي فكر أو"منهج بحث"لأي فكر إنما يستند إلى خصائص اللغة ولذلك فإن منهج البحث العلمي العربي إنما يستند إلى خصائص اللغة العربية ولا يستطيع أن يستند إلى خصائص لغة أخرى، فلكل لغة منهجها الفكري القائم على معانيها ومضامينها، وكما هاجم المسلمون المنهج الأرسطي وقالوا أنه مستند إلى خصائص اللغة اليونانية التي تخالف اللغة العربية فكذلك الأمر بالنسبة للمنهج الغربي الوافد (ماركسيًا أو ليبراليًا أو فرويديًا أو وجوديًا) ؛ ذلك لأن الفكر الإسلامي منهج البحث الخاص به ومنهج المعرفة الذي يمثله والمستمد من اللغة العربية أصلًا ومن التوحيد الخالص.
ولا ريب أن محاولة فصل اللغة العربية الفصحى عن لغة الكلام بإعلاء اللهجات أو بخلق ما يسمونه لغة وسطى أو لغة الصحافة، كل هذا له خطره وله أبعاده ومخاطره.
إن النظرة اليسيرة قد ترى في ذلك شيئًا مقبولًا، ولكن النظرة العميقة تكشف عن محاذير عميقة أبرزها: الانفصال عن مستوى البيان القرآني؛ ذلك أنه من الضروري أن تظل اللغة العربية متصلة ببيان القرآن ومرتبطة به، فإذا بعدت عنه كان من أخطار ذلك أن تنفصل أو تنعزل عن مستوى البيان القرآني. فإذا مر زمن طال أو قصر انقطعت الصلة بين البيان والأداء العربي وبين القرآن.