فتأمل ذلك أيها الماكر المخادع الغشاش الآكل أموال الناس بتلك البيوعات الباطلة والتجارات الفاسدة تعلم أنه لا صلاة لك ولا زكاة ولا صوم ولا حج كما جاء عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى وليتأمل الغشاش بخصوصه قوله صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا يعلم أن أمر الغش عظيم وأن عاقبته وخيمة جدا فإنه ربما أدت إلى الخروج عن الإسلام والعياذ بالله تعالى فإن الغالب أنه صلى الله عليه وسلم لا يقول ليس منا إلا في شيء قبيح جدا يؤدي بصاحبه إلى أمر خطير ويخشى منه الكفر فإن لمن يعرض دينه إلى زوال ويسمع قوله صلى الله عليه وسلم من غش فليس منا ولا ينتهي عن الغش إيثارا لمحبة الدنيا على الدين ورضا بسلوك سبيل الضالين
وليتأمل الغشاش أيضا لا سيما التجار والعطارون وغيرهم ممن يجعل في بضاعته غشا يخفى على المشتري حتى يقع فيه من غير أن يشعر ولو علم ذلك الغش فيه لما اشتراه بذلك الثمن أصلا
ما صح عنه صلى الله عليه وسلم كما مر أنه مر على رجل وبين يديه صبرة من حب فأوحى الله إليه أن أدخل يدك فيه ففعل فأحست يده الشريفة ببلل في باطن تلك الصبرة فأخرج منه وقال ما هذا يا صاحب الطعام قال يا رسول الله أصابه مطر قال أفلا جعلت المبتل فوق الطعام حتى يراه الناس من غش فليس منا
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم مر بطعام وقد حسنه صاحبه فأدخل يده فيه فإذا طعام رديء جعله أسفله فقال له صلى الله عليه وسلم بع هذا على حدة وهذا على حدة من غشنا فليس منا
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم لما أدخل يده في الحب وأخرج منه المبلول قال له ما حملك على هذا أي جعلك المبتل أسفل والجاف فوق قال يا رسول الله والذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد قال أفلا عزلت الرطب على حدته واليابس على حدته فيتبايعون ما يعرفون من غشنا فليس منا
وفي رواية من غش المسلمين فليس منهم وسبقت رواية أنه يقال يوم القيامة لمن خلط اللبن بالماء ثم باعه خلص الماء من اللبن أي وليس يقدر على ذلك فهو كما يقال للمصورين يوم القيامة أحيوا ما صورتم أي انفخوا الروح في تلك الصور التي كنتم تصورونها في الدنيا تحقيرا لهم وإذلالا وبيانا لعجزهم وجرأتهم على الله تعالى فكذلك من خلط اللبن بالماء يقال له يوم القيامة خلص اللبن من الماء تحقيرا له وفضيحة له على رءوس الأشهاد في ذلك اليوم جزاء على غشه الذي كان يفعله في الدنيا وكذلك سائر الغشاشين يفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد في مقابلة غشهم للمسلمين