إهدار الطاقات وإضاعة الأوقات لإحياء بدعة وتجديد الأحزان وفتح جروح كادت أن تلتئم.
-لقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يدركون قيمة الوقت وأهميته ويستشعرون أنه أمانة ومسئولية فيحافظون على أوقاتهم في كل نافع ومفيد ويحرصون على الوقت حرص أولئك المبتدعة على الدراهم والدنانير:
-فهذا أبو يوسف القاضى صاحب الإمام أبي حنيفة، كان شديد الملازمة لشيخه، لازم مجلسه أكثر من 17 سنة، ما فاته صلاة الغداة معه، ولا فارقه في فطر ولا أضحى إلا من مرض، روى محمد بن قدامة، قال: سمعت شجاع بن مخلد، قال: سمعت أبا يوسف يقول: مات ابن لي، فلم أحضر جهازه ولا دفنه وتركته على جيراني وأقربائي، مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شئ لا تذهب حسرته عنى) [1] . (1)
-ومات ولد لوكيع بن الجراح المحدث الفقيه فخرج يوم وفاة ولده وروى للناس أربعين حديثا زيادة على ما كان يروي في كل درس.
-ومات ولد للقائد المظفَّّّر صلاح الدين الأيوبي وجاءه الخبر وهو في إحدى المعارك فاستقبله بالصبر الجميل وتجلَّد واحتسب ولم يحدث أحدا ولم يظهر عليه شيء من الألم سوى دمعة ذرفت من عينيه: يقول القاضي ابن شداد الذي كان يرافقه:"فانظر إلى هذا الصبر والاحتساب وإلى أي غاية بلغ هذا الرجل؟ اللهم إنك ألهمته الصبر والاحتساب فلا تحرمه ثوابه يا أرحم الراحمين [2] (2) "
وورد أن حاتم الأصم بلغه أن رجلا يدعى معاذا الكبير أصابته مصيبة فأعلن الحداد ولبس السواد واستدعى النائحات وكسر الأواني فاتفق حاتم الأصم مع تلميذ له أن يذهبا إليه، وأن يسأله إذا جلسا عنده عن تفسير قوله تعالى {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ 6} سورة العاديات.
فلما ذهبا إليه ودخلا عليه بادر التلميذ بالسؤال فقال حاتم: ليس هذا وقت السؤال، فسكت التلميذ برهة، ثم أعاد السؤال فقال شيخه حاتم: ليس هذا وقت السؤال، ثم أعاد التلميذ السؤال مرة ثالثة فأجاب حاتم معنى إِنَّ
(1) 1 - ... مناقب أبى حنيفة للإمام الموفق المكى 1/ 472.
(2) - النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 50 ويراجع كتابي الصبر عند فقد الولد ط دار السلام بالقاهرة ط 2