د. الإكراه الملجئ
الإكراه: هو حمل الشخص على فعل أو قول ما لا يريد.
أقسام الإكراه
بحسب بقاء شيء من الإرادة والاختيار
1 -إكراه كلّي: مثل لو تم تربيط إنسان وإلقاءه إلى إنسان آخر، فهذا لا يملك من الاختيار والإرادة شيء، فأصبح الإنسان هنا كالجماد أو كالآلة في يد المكرِه، وهذا لا خلاف بين العلماء على اعتباره إكراه.
2 -إكراه جزئي: هنا يبقى شيء من الإرادة لدى المُكرَه، مع الضغط عليه، مثل إنسان أُعطي سكينًا وأُمر بقتل آخر، فإذا لم يخضع لإرادة المكرِه فالفعل لن يقع، لأنّ هناك نوع من الإرادة لهذا الشخص، وفي هذه الحالة وقع الخلاف بين أهل العلم.
بحسن درجة الإيذاء
1 -إكراه غير ملجئ: الأذى فيه بسيط، ومنه حالة الخوف من الأذى، أو الأذى الخفيف كالضرب المستساغ، أو إفساد شيء يسير من المال.
2 -إكراه ملجئ: الأذى فيه شديدًا لدرجة لا يطيقها المكرَه، مما يلجئه إلى فعل الفعل أو القول الذي يريده منه المكرِه.
بحسب نوع الإكراه
1 -الإكراه بحق: يكون عندما يحمل المكرِه الإنسان على أمر واجب أو جائز شرعًا، كإكراه السلطان العادل للتجار للبيع بسعر السوق، وإكراه المستدين لرد الدين للدائن.
2 -الإكراه بغير حق: يكون عندما يجبر المكرِه الإنسان على أمر غير جائز شرعًا.
هل الشريعة تقبل الإكراه كمانع
أجمع العلماء على اعتبار الإكراه بالجملة مانعًا من موانع التكفير، لأنّ الله تعالى رفع هذا الأمر في كتابه العزيز في قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وقال بعض أهل العلم أنّ الإكراه رفع عن هذه الأمّة لكن أهل الأمم السابقة كانوا مؤاخذين بالإكراه والخطأ والنسيان، فكان عندهم لا يجوز الرضوخ للإكراه أيّا كان وإلّا لكفر الإنسان، وفي قصّة أصحاب الكهف دلالة على هذا الأمر في قولهم: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} فالقوم سيعيدونهم إلى ملّتهم بالإكراه، ومع ذلك قالوا {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} فهذا بالإضافة لحديث رسول الله السابق، يدل على أنّ الإكراه رفع عن هذه الأمّة دون الأمم السابقة، وهذا مما يميّز شريعتنا السمحة.
جاء في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب قالوا له: قرب ولو ذبابة، فقرب ذبابة فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة) وهذا الحديث مختلف في صحّته وفيه عِلل والإمام أحمد رواه عن طارق عن سلمان موقوفا من قوله، وكذا أبو نعيم وابن أبي شيبة؛ فيحتمل أن سلمان أخذه عن بني إسرائيل، لكن على فرض صحّته، فيسأل البعض أنّ هذا الرجل الذي قرّب ذبابة لماذا دخل النار بالرغم من أنّه عُرض على القتل وكان مكرهًا، فالإجابة هنا على قولين، الأوّل هو أنّ الأمم السابقة لم يكونوا يعذرون بالإكراه، والثاني وهو الأصح والله أعلم، هو أنّ هذا الرجل لم يعتبر بالإكراه بديل