أ. قول إبراهيم عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ، فأصل دعوة إبراهيم عليه السلام باقٍ في عقبه، والعرب من عَقب إبراهيم عليه السلام.
ب. وجود الكعبة، وكان معروفًا عندهم أن الكعبة بناها إبراهيم عليه السلام وكان الحجيج يحجّون إليها، وهي رمز من رموز التوحيد.
ج. أول من بدّل دين إبراهيم هو عمرو بن لحي الخزاعي، عندما سافر إلى الشام وجاء منها بعبادة الأوثان.
د. وجود الحنفاء، وهم الذين عرفوا الدين الحق، مثل ورقة بن نوفل، وزين بن عمر بن نفيل
وفي الفترة العاديّة يُحاسب الإنسان على قضيّة التوحيد، ولا يحاسب على التفاصيل، ومثال على ذلك عمرو بن نفيل الذي قال"إني قد فارقت قومي، واتبعت ملة إبراهيم، وما كان يعبد إسماعيل من بعده، كان يصلي إلى هذه البنية، وأنا انتظر نبيا من ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام"فكان هذا الرجل قد عرف الدين الحق ولكنّه لم يعرف تفاصيل هذا الدين، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيته في الجنة يسحب ذيولا) ، ووردت الكثير من الأدلّة على أنّ مشركي العرب كانوا في النار بعكس الذين اتّبعوا ملّة التوحيد، فعنه صلى الله عليه وسلم: (أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال في النار فلما قفى دعاه فقال إن أبي وأباك في النار) .
وأمّا قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} للعلماء فيها قولين، القول الأول أنّ (ما) هنا اسم موصول بمعني الذي، فتصبح لتنذر قوم الذين أنذر آباءهم، وعلى هذا القول فلا يوجد إشكال، أمّا من قال أن (ما) نافية فهنا نحملها على الإنذار الخاص، أي لم يُرسل رسولًا خاصّا لآبائهم، ولكن هذا لا يعني أنّ الحجّة ليست قائمة عليهم، بل هي قائمة عليهم بدعوة إبراهيم عليه السلام.
وهنا نقول، إذا اعتبرنا بأنّ الحجّة هي الفطرة، ا وانها هي العقل، أو أنّها هي الميثاق، فهنا لا يوجد داعي لوجود ما يُسمى بالجهل المعجز، لأنّ الحجّة قائمة على العباد بمجرّد وجودهم، لكن عندما نقول أنّ الحجّة هي الحجّة الرساليّة، والحجّة الرساليّة قد تغيب وقد تنوجد، إذن فهناك إمكانية وجود عذر بالجهل، فالله تعالى لا بعاقب الجاهل، وإنّما يُعاقب العالم، قال تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} ، وغافلون أي جاهلون، فأحكام الله تعالى تقبل هذا العذر.
الخلاصة: بما أنّ الحجّة التي تقوم على العباد هي محصّلة التفاعل بين الحجّة الرساليّة من جهة، والاستقبال الفطري من جهة أخرى، وبما أنّ هذه الحجّة قد تغيب وتنوجد، وليست أمرًا لازمًا قدريًّا، إذن فأحكام الشريعة تقبل العذر بالجهل.
التحسين والتقبيح العقلي
وهذه المسألة فيها ثلاث مذاهب:
1 -مذهب المعتزلة والخوارج: قالوا بالتحسين والتقبيح العقلي، فقالوا أن العقل يحسّن ويُقبّح، ورتّبوا على ذلك الثواب والعقاب، فبم أنّ العقل يدرك حُسن الأشياء وقُبحها، فما رآه حسنًا وفعله فهو مثاب، وما رآه قبيحًا وفعله فهو آثم.
2 -الأشاعرة: قالوا بالتحسين والتقبيح الشرعي، فالشرع هو الذي يدرك حسن الأشياء وقبحها، وهذا لا يُدرك إلّا بالشرع، فقبل وروده في الشرع لا نستطيع الحكم عليه حسن أم قبيح، فالشرك قبيح عندما قال الله تعلى {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، لكن لو أمرنا الله بالشرك فسيكون الشرك حسنا، فلديهم في هذه المسألة نوع من الجبريّة إذ أفرغوا المسمّيات من صفاتها، وجعلوا الصفات شرعيّة فقط.
3 -أهل السنّة: قالوا أن العقل يدرك حسن الأشياء، لكن لا ثواب أو عقاب إلّا بالشرع، فالتوحيد حسن حتّى قبل أن يرد فيه النص، والصدق حسن حتّى قبل أن يرد فيه النص، فعلى سبيل المثال، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} فالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى مستحسنة في الأصل والله تعالى أمر بها لأنّها حسنة، والفحشاء والمنكر والبغي قبيحة في الأصل والله تعالى نهى عنها لقبحها.