ج. الآيات الكونيّة: قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
د. الحجّة الرساليّة: وهي الحجّة الأعظم، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، وهذا يعني أنّه قد يكون لهم حجّة قبل الرسل، ومما يدل على ذلك، عموم الأدلّة، مثل: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} ، فدلّ ذلك انّهم لو لم يأتهم نذير لكان لديهم عذر، وكذلك قول الله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} أي من بلغه القرآن فقد بلغته الحجّة ومن لم يبلغه القرآن فلم تبلغه الحجّة، فمناط التكليف والثواب والعقاب، هو إرسال الرسل، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
فكما مثّلنا سابقًا، فالفطرة هي مثل جهاز الاستقبال، والرسالة هي جهاز الإرسال، فعندما يحصل التفاعل بين جهاز الإرسال هذا وجهاز الاستقبال تقوم الحجّة، أما لو غاب أحدهما فلا تقوم الحجّة، فتنتفي الفطرة عندما يكون الإنسان خرف أو مجنون على سبيل المثال، وكذلك لو غابت الحجّة الرساليّة، وذلك عند أهل الفترة
أهل الفترة
كلمة الفترة مأخوذة من كلمة الفتور، أو الانقطاع، وأهل الفترة هم الناس الذين لم تبلغهم الحجّة الرساليّة، وهي على قسمين.
1 -فترة محضة: لم تصل فيها الحجّة، لا في الأصل ولا في التفاصيل، وهي فترة خالصة، ولأهل الفترة المحضة أنواع:
أ. المجنون
ب. الصبي غير المميز
ج. الأصم
د. الذي لم تصله دعوة الرّسل مطلقًا
كما جاء في الحديث الصحيح، عن الأسود بن سريع وأبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا و رجل أحمق و رجل هرم و رجل مات في فترة: فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام و ما أسمع شيئا و أما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام و ما أعقل شيئا و الصبيان يحذفونني بالبعر و أما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام و ما أعقل شيئا و أما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه بردا و سلاما و من لم يدخلها سحب إليها) ، فالله تعالى لا يحاسب الناس بناء على علمه بهم، وللكن يُحاسبهم على أعمالهم.
فالمجنون والصبي والأصم، مشكلتهم أنّ جهاز الاستقبال لديهم فيه خلل، أمّا الذين لم تصلهم دعوة الرّسل، فمشكلتهم بأنّ جهاز الإرسال لم يُرسِل إليهم، فهم يُمتحنون في يوم القيامة.
وقد حصل خلاف في مسألة وجود ناس لم تصلهم دعوة الرسل، فبعض العلماء أنكر وجود هذا الصنف من الناس، وأنكر صحّة حديث الامتحان، واستشهدوا بقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} ، أمّا الجمهور فقالوا أنّ هذه الآية لا تنفِ وجود أهل الفترة، بل أن الله تعالى أثبت أنه لا توجد أمّة من الأمم إلّا وقد جاءها رسول، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم نبيا فمن أطاع نبيه كان من المهتدين و من عصى نبيه كان من الضالين) ، قال بعض أهل العلم، أنّ المقصود هو أصل الأمّة، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} ، فقد توجد بعض أجيال الأمّة أو أفرادها لم تصلهم دعوة الرسل وهذا الراجح والله أعلم
2 -فترة عاديّة: هي وصول أصل الحجّة الرساليّة مع غياب تفاصيلها، مثال عليها الفترة التي كانت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} وفي هذه الفترة غابت تفاصيل الحجّة الرساليّة، ولكن لم يغب أصل الحجّة الرساليّة، ونقول بأنّ مشركي العرب كانوا أهل فترة لأربعة أسباب.