الصفحة 115 من 194

ما هي حجّة الله على العباد:

وهي هذه المسألة يوجد مذاهب للناس

1 -مذهب المعتزلة والخوارج: الحجّة على العباد تقوم بالعقل والفطرة والميثاق.

أ. العقل: وذلك لأنّ الله تعالى دائما ما يذكر العقل في القرآن الكريم، كقوبه: {أَفَلَا يَعْقِلُونَ} ، لذلك هم أخذوا بمبدأ التحسين والتقبيح القلي، فما يستحسنه العقل فهو حسن، وما يستقبحه العقل فهو قبيح، ويرتّبون الثواب والعقاب على ذلك.

ب. الفطرة: لقوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، ولحديث (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) .

ج. الميثاق: قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة و أخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال: ألست بربكم قالوا بلى) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيَقُولُ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي) .

ومعنى هذا الكلام، أنّ الإنسان يصل لوحده إلى الحق، وأنّ عقله لا بد أن يوصله إلى الحق، وعندما يخالف الحق فهو محاسب، لأنّ لديه عقل، ولأنّه مفطور على الإسلام، ولأنّه قد أُخِذَ عليه العهد، وبالتالي فهو محاسب على أي فعل حتّى إن لم تقم عليه الحجّة الرسالية، فالحّة الرساليّة عندهم تأتي من باب التأكيد والبشرى والإنذار.

2 -مذهب أهل السنّة والجماعة: حجّة الله تعالى على العباد تقوم بأربع طرق، فحجّة الله على العباد ليست واحدة، لأنّ لله الحجّة البالغة، قال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} وهي التي بلغت مداها في الإعذار، قال القرطبي"أَيِ الَّتِي تَقْطَعُ عُذْرَ الْمَحْجُوجِ، وَتُزِيلُ الشَّكَّ عَمَّنْ نَظَرَ فِيهَا. فَحُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ عَلَى هَذَا تَبْيِينُهُ أَنَّهُ الْوَاحِدُ، وَإِرْسَالُهُ الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ، فَبَيَّنَ التَّوْحِيدَ بِالنَّظَرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَيَّدَ الرُّسُلَ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَلَزِمَ أَمْرُهُ كُلَّ مُكَلَّفٍ. فَأَمَّا عِلْمُهُ وَإِرَادَتُهُ"فالله تعالى يحب العذر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ) :

أ. الميثاق: وقد يقول قائل، أنّ هذا الميثاق الذي أخذه الله على البشر قد نسوه، فلا أحد منّا اليوم يذكره، فنقول أن إخبار الرسل بهذا الميثاق، يجعله في مقام المعلوم، وهذا مثل لو أنّ إنسانًا فاق من النوم وطلب كأسًا من الماء ثمّ عاد إلى النوم، وعندما فاق من نومه أُخبر بما حصل فلم يذكره، فعدم تذكّره بما حدث لا يُلغي أنّه شرب الماء فعلًا، فعدم تذكّر الإنسان لهذا الميثاق لا يُلغي قيمته، وتذكير الرسل به، يقوم بمقام تذكّره.

ب. الفطرة: وهي في اعتقاد أهل السنّة، أنّها الاستعداد الغريزي لقبول الحق، وهي أشبه بالورقة الجاهزة للكتابة.

وهي تُشبه مسألة جهاز الاستقبال، فلو كان جهاز الاستقبال معطوبًا فلن يقبل الإشارة المرسلة بواسطة جهاز الإرسال، لكن عندما يكون سليمًا ومجهّزًا لاستقبال الإشارة سيستقبلها حال مجيئها، وجهاز الإرسال يمثله الحجّة الرساليّة.

وقول (وإني خلقت عبادي حنفاء) الحنيف هو المائل، أي المائل عن الشرك إلى التوحيد، ويكون مائلا عن الشرك إلى التوحيد عن طريق ما يُسمّى أدوات الفطرة، وهي (العقل، السمع، البصر) .

وكان خطأ الخوارج والمعتزلة، عدم معرفتهم بقيمة العقل، فالعقل هو الشيء الذي يسهّل عليك فهم الحجّة واستقبالها، لكنهم جعلوا من الفطرة أنّها العلم، والله تعالى قال: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} ، فالله تعالى لم يؤتينا العلم، بل هيئنا لاستقباله، قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

لكن فُسرت الفطرة بالإسلام، لأنّ الإنسان إذا استخدم هذه الأدوات بشكل صحيح، فإنّها ستؤدّي به حتمًا إلى الإسلام، وذلك من تفسير الشيء بلازمه، كما جاء في الآية {أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} قال البغوي في تفسيره:"أي: عنبا، سمي العنب خمرا باسم ما يؤول إليه"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت