الصفحة 4 من 73

للمحكمات من نصوص الشرع. و انطلاقا من هده العدة العلمية يرسخ إعمال الفكر المقاصدي من فكر علمي عند تفكيرنا في الشريعة.

للعلم مرادفات متعددة: نقول العلم و نعني ما يرادفه من معرفة أو إدراك أو ملكة. و نقول العلم أيضا و نعني به ما يضاده من الجهل. ونقول العلم مرة ثالثة ونعني ما يرادفه من التصورات و التصديقات تبعا لقول علماء المنطق في العصر القديم"العلم إما تصور أو تصديق"، ونقول العلم و نعني به مرة رابعة ما يرادفه من القضايا و القواعد الكلية المبرهن عليها. كلها مرادفات قد نستحضرها عند استعمالنا لكلمة العلم سواء في اللغة العربية أو في ما كتبه علماء المنطق و أصول الفقه. و لما كان العلم فيها إدراكات، أو ملكات، أو تصورات و تصديقات، أو قضايا أو قواعد كلية كان المقصود بالفكر العلمي فيها الحصيلة و الخبرة المنهجية المؤسسة على الدليل، أيا كانت مرتبة ذلك الدليل، و أيا كان مجاله.

لكن هل الفكر العلمي هو مجرد المعرفة الحاصلة عن الدليل؟ ليس الأمر كذلك عندي لأن العلم ليس مجرد إدراكات و أدلة، ولا هو مجرد ملكات و تصورات أو تصديقات، و لا هو مجرد قواعد أو قضايا كلية مبرهن عليها. العلم قدرة منهجية يستطيع الباحث من خلالها أن يشتق من موضوعه نسقا من المفاهيم لكي يختبر نجاعتها في فهم موضوعه، و في معالجة ما يطفح به من إشكالات، و ما يطرحه من قضايا. قوام الفكر العلمي هو هذه القدرة المنهجية على تشغيل و إعمال مكوناته الثلاثة الأساسية: مكون المبادئ الأخلاقية، و مكون التقنيات البحثية، و مكون المفاهيم التي تلتحم في إطارها المبادئ و التقنيات البحثية. بكلام آخر الفكر العلمي مبادئ يلتزم بها الباحث و يشغلها، و تقنيات يعتمدها في بناء موضوعه و في الاستدلال على نتائجه، و مفاهيم تنصهر في بوثقتها ما اعتمده من مبادئ و ما شغله من تقنيات.

ينبغي للباحث أن يكون على بال من أن معظم مبادئ الفكر العلمي و تقنياته تتكيف إلى حد بعيد بطبيعة الموضوع الذي يدور حوله البحث أو الهدف الذي يتوخاه الباحث و المفكر. و لهذا يقال إن طبيعة الموضوع تحدد طبيعة المنهج. و معنى هذه المقولة أننا نصطنع مفاهيم مبتكرة نبلور من خلالها كيفيات استعمالنا للمبادئ و التقنيات. مفاهيم قيمتها الابتكارية العلمية في مدى انسجامها مع طبيعة الموضوع من جهة، و في مدى إسهامها في فهم ما تطرحه جوانبه المختلفة من قضايا و إشكالات من جهة ثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت