الاختلاف العقيم في مدلولات مفهوم المصلحة، و التي يفهمها كل واحد بحسب ما يعتقده من مذاهب.
إن المقاصد في مصطلح الفكر المقاصدي هي مصالح الناس، نعم لاشك في ذلك، لكن لا كما تتقصدها أفكار الناس المجردة، و أهواؤهم المتضاربة، و حدوسهم المتفاوتة، و اختياراتهم المتنوعةة، بل كما يقصدها الشارع الحكيم. و من هنا أهمية الاعتناء بمقاصده من خطابه. ذلك أن الدين درجوا على"تعريف"مقاصد الشريعة لم يلتفتوا إلا إلى البعد المصلحي من المقاصد و غفلوا عن بعدها الدلالي، فلم يدرجوه في تعريفاتهم لمقاصد الشريعة. [1] لا نكاد نعثر في هده التعاريف على التفات تام للعنصر الدلالي في بناء المقاصد، لذا، وسعيا لتلافي هدا النقص في تعريف المقاصد الشرعية يمكنني أن أحددها بالقول إنها كما تتجسد في المعاني المقصودة من الخطاب الشرعي التي يتوصل إليها باستحضار المقام الذي سيق فيه الخطاب، هي أيضا الغايات المصلحية المقصودة من تشريع الأحكام، و التي يتوصل إليها بعدة علمية. و الغايات المصلحية كما تكون عامة لكل الشريعة، تكون أيضا إما خاصة بمجال تشريعي محدد أو جزئية تتناول كل حكم شرعي على حدة. وكلها منتظمة في مقصد عام كلي تتمحور حوله كل مقاصد الشريعة، و المتمثل في تحقيق مهام الاستخلاف التي جعل الله تعالى الإنسان مسؤولا عن القيام بها، و مكلفا بإنجازها في حياة الإنسان الفرد، و في حياة المجتمع و الأمة. يتعلق الأمر هنا بالإصلاح الشامل للاعتقاد وللعقول و للأعمال بما يمكن من عمارة الأرض والانتفاع بما خلقه الله في دائرة الأخوة البشرية.
و الحاصل من هدا التحديد لكل من الفكر و المقاصد و الشريعة أن المقصود عندي بالفكر المقاصدي عدة علمية نتوسل بها في التوصل إلى مقاصد الشريعة سواء تمثلت في المعاني المقصودة من خطابها، أو تمثلت في الغايات المصلحية المقصودة من تشريع أحكامها العملية و الاعتقادية. انطلاقا من هده العدة العلمية يبدو أن التشوف المستمر لروح الشرع و النشدان الدائب إلى مقاصده مقترن بما يكفي من السعة في العلم بالنصوص. لا إهمال للمقاصد في هدا الاقتران، و لا تعطيل في دلك السعي
(1) لقد سبق للإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله أن عرف مقاصد الشريعة في سياق حديثه عن مقاصد التشريع العامة و الخاصة فقال:"مقاصد التشريع العامة هي المعاني و الحكم الملحوظة في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة"مقاصد الشريعة ص: 6. و مقاصد التشريع الخاصة هي"الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، او لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة". مقاصد الشريعة، ص: 50. كما حدد الأستاذ علال الفاسي مقاصد الشريعة فقال:"المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها، و الأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها"مقاصد الشريعة لعلال الفاسي ص: 3