الصفحة 59 من 63

الغالب. والعمل به متعين. ويكفى العارف هذا الوجه.

قلت: هذا الوجه وإن كان وقوعه عقلًا مُمكِنًا إلا أنه مما لا يجوز وقوعه -ولم يقع - شرعًا لمخالفته قول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}

فلو وقع لنصب الله عليه دليلًا - كأن ينكره عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو أحد من صحابته -يبين بطلانه لئلا تعمل الأمة بالضلال وتعتقد الباطل طيلة المدة السابقة حتى جاء المتأخرون فزيفوه واهتدوا للحق الذي خفي على أولئك الكرام، و مجرد تصوره يكفي للحكم ببطلانه. أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ و الأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وسرعته، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى.

فالعربية طبيعتهم وسليقتهم. والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم. ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل. ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين. بل قد غنوا عن ذلك كله. فليس في حقهم إلا أمران:

أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسوله كذا.

والثاني: معناه كذا وكذا. وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمة بهما. فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما. وأما المتأخرون فقواهم متفرقة وهممهم متشعبة. فالعربية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت