اعتبر الضرر المعهود المتعارف ثم المدة إذاقصرت لا يكون احتكارا لعدم الضرر وإذا طالت يكون احتكارا مكروها لتحقق الضرر ثم قيل هي مقدرة بأربعين يوما لقول النبي عليه الصلاة والسلام من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برىء من الله وبرىء الله منه وقيل بالشهرلأن ما دونه قليل عاجل والشهر وما فوقه كثير آجل وقد مر في غير موضع ويقع التفاوت في المأتم بين أن يتربص العزة وبين أن يتربص القحط والعياذ بالله وقيل المدة للمعاقبة في الدنيا إما يأثم وإن قلت المدة والحاصل أن التجارة في الطعام غير محمودة
قال ومن احتكر غلة ضيعته أو ما جلبه من بلد آخر فليس بمحتكر أما الأول غير فلأنه خالص حقه لم يتعلق به حق العامة ألا ترى أن له أن لا يزرع فكذلك له أن لا يبيع وأما الثاني فالمذكور قول أبي حنيفة رحمه الله لأن حق العامة إنما يتعلق بما جمع في المصر وجلب إلى فنائها وقال أبو يوسف رحمه الله يكره لإطلاق ما روينا وقال محمد رحمه الله كل ما يجلب منه إلى المصر في الغالب فهو بمنزلة فناء المصر يحرم الاحتكار فيه لتعلق حق العامة به بخلاف ما إذا كان البلد بعيدا لم تجر العادة بالحمل منه إلى المصر لأنه لم يتعلق به حق العامة
قال ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس لقوله عليه الصلاة والسلام لا تسعروا فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق ولأن الثمن حق العاقد فإليه تقديره فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة على ما نبين وإذا رفع إلى القاضي هذا الأمر يأمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعة في ذلك وينهاه عن الاحتكار فإن رفع إليه مرة أخرى حبسه وعزره على ما يرى زجرا له ودفعا للضرر عن الناس فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون عن القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير فحينئذ لا بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصيرة فإذا فعل ذلك وتعدى رجل عن ذلك وباع بأكثر منه أجازه القاضي وهذا ظاهر عند أبي حنيفة رحمه الله لأنه لا يرى الحجر على الحر وكذا عندهما إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم ومن باع منهم بما قدره الإمام صح لأنه غير مكره على البيع وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه قيل هو على الاختلاف الذي عرف في بيع مال المديون وقيل يبيع بالاتفاق لأن أبا حنيفة رحمه الله يرى الحجر لدفع ضرر عام وهذا كذلك